« بأصوات مختلفة وألسنة غير مشتبهة » : أي يسبّحون بحمد ربّهم بأصوات مختلفة حسبما اقتضته ذواتها وعلى قدر ما يبعثها ويحملها على التسبيح والتحميد من الإشراقات التي تفيض عليها من بارئها والأنوار التي تتنزّل عليها ممّا فوقها ؛ وكذلك يسبّحون ويحمدون بألسنة ملكوتيّة غير مشتبه « 1 » بعضها ببعض لتخالف حقائقها وتباين ذواتها ؛ بل كلّ موجود فهو بالحقيقة لسان فصيح ينطق « 2 » بالتسبيح والتحميد ، بل كلّ حقيقة من الحقائق فهي عين التسبيح والتحميد ، كما يعرفه العارفون ، وستعرف ذلك من ذي قبل .
« ولو أذن اللسان منها فأسمع شيئا ممّا تحته لهدم الجبال والمدائن والحصون ولخسف البحار ولأهلك ما دونه » : يعنى ولو كان لسان من هذه الألسنة مأذونا في أن يسمع شيئا من الأشياء التي تحته أي الأشياء الكائنة الحسيّة فأسمعه من هذه الأصوات والنغمات لهلك جميع ما دونه لأنّ أصواتهم ملكوتيّة ناشئة من وجد وسماع لما يدوم عليهم من الابتهاجات التي لهم في ذلك العالم بسبب دوام الإشراقات والفيوضات التي لهم من عالم الجبروت الأعلى ، ولا شك في أنّ الوجود الكونيّ الجسميّ والمسامع الضيّقة الملكيّة لا يقدر على احتمال ذلك ممّا « 3 » ليس في وسعه مجال احتماله « 4 » وسماعه وإلّا فيهلك ويفنى ، لأنّ عند ظهور العالي وبروزه في مكمن غيبه لا يبقى للسافل وجود بل يهلك لديه ، ألا ترى أنّ صيحة من هذه الأصوات أسمعها قوم السافلين « 5 » فأصبحوا في دارهم جاثمين كما قال تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
« 6 » وفي تقييد الصيحة بالحقّ إشارات لطيفة يعرفها أهل المعرفة ونعمّا قيل « 7 » في هذا المعنى بالفارسيّة :
بس عجب آوازها در پردههاست * گوش حسّى را خبر زانها كجاست
آسمانها زين صدا بشنيدهاند * كه نه راحت نه قرارى ديدهاند
هامش
( 1 ) . مشتبه : مشبهة ن .
( 2 ) . ينطق : ناطق ن .
( 3 ) . ممّا : لما ج .
( 4 ) . احتماله : احتمال ن .
( 5 ) . السافلين ، السالفين ن ، من السالفين ج .
( 6 ) . المؤمنون : 41 .
( 7 ) . نعمّا قيل : نعم ما ع ن .