باطن هذه الثلاثة وغيب غيوبها فكأنّه ملحوظ معها ؛ فافهم !
« ثمّ خلقه من أنوار مختلفة » ، أي بعد ما أبدع اللّه هذه الثلاثة خلق العرش من أنوار مختلفة هي حقائق الموجودات المشتمل هو عليها بالإجمال المرسل المعقول لأنّ العرش كما عرفت هو جملة الموجودات .
ولا تظنّ « 1 » أنّ ذلك ينافي كون العرش جسما لأنّ ذلك ظنّ الذين لا يعرفون حقيقة الأشياء ، ولو أنّهم خرجوا من مضيق الشبهة « 2 » والأوهام لأيقنوا أنّ الجسم مظهر لجميع الأنوار ، ولولاه لما قامت أرض ولا سماء ولم تكن آخرة ولا دنيا ولا بدء ولا رجوع ولا عبوديّة ولا خضوع ؛ فتحدّس !
« فمن ذلك النور نور أخضر اخضرّت منه الخضرة » : أراد عليه السلام أن يذكر أصول هذه الأنوار المختلفة ، فقال : ومن جملة تلك الأنوار نور أخضر وهو النور المستولي « 3 » على أقاليم القوى النباتيّة التي هي منابع الخضرة . ومعدن ذلك النور حقيقة ميكائيل . وظاهر أنّ من ذلك اخضرت « 4 » المخضرات التي في العالم من النفوس والصور والأعراض بل وجدت الخضرة أي هذه الطبيعة من ذلك النور بالجعل البسيط على اختلاف مراتب الخضرة .
« ونور أصفر اصفرّت منه الصّفرة » : هذا هو النور الغالب على عوالم الصور والنفوس والأعراض القاهر « 5 » لها بالقبض والإماتة والاستحالة . ومنبع هذا النور حقيقة عزرائيل .
« ونور أحمر احمرّت منه الحمرة » : وهذا هو النور العامل على ولايات المنّة « 6 » والقوّة والاستيلاء والغلبة . وانشعاب ذلك النور من جبرئيل عليه السلام لأنّه هو موكّل على الجنود ، ومهلك الجبابرة ، ومخرّب الديار والأبنية .
« ونور أبيض وهو نور الأنوار » : هذا هو النور الموكّل على جميع العوالم السماويّة
و
هامش
( 1 ) . لا تظنّ : لا تظنن ج م .
( 2 ) . الشبه : الشبهة ع م ن .
( 3 ) . المستولي : المتولّي ن .
( 4 ) . اخضرت : خضرت ع ن .
( 5 ) . القاهر : الغالب ع م .
( 6 ) . المنّة : المنية ع م .