فقال قاضي القضاة : إنه شيخه وعليه محبته وتعظيمه والاعتقاد فيه ، ولا يزال يستعطفه فما أمكن فقال : واللّه لا بد من تأديبه في غداة غد إن شاء اللّه تعالى .
فلما أخذ مضجعه ، ونام في تلك الليلة رأى فيما يرى النائم كأن سقف الجامع قد فرج ، ونزل منه رجلان جلس أحدهما عند رأسه ، والآخر تحت رجليه فقال الذي تحت رجليه : أسلبه الإيمان ، وقال الذي عند رأسه : أسلبه العلم والقرآن ؛ لأنه وقع منه الإنكار على ولي اللّه تعالى سيدي أحمد البدوي ثم مسكه أحدهما من رجليه والآخر من رأسه ، وهزاه هزّا عنيفا فأطمس اللّه بذلك قلبه ، وانتزع منه العلم والقرآن فانتبه من نومه فزعا مرعوبا لا يعرف مسألة في دين اللّه تعالى ، فلما لاح الفجر وأراد النهوض إلى الصلاة فلم يستطع ، فأمر إمام المسجد بالصلاة ، وخرج هو وقاضي القضاة فظنّ أنه يريد الحمام فأسرّ له في أذنه ، وحكى له جميع ما تقدم له من أوله إلى آخره فقال له : لا بد لنا من زاوية الأحمدية ، وسار هو وإياه حتى وصلا إلى زاوية الأحمدية ، فإذا على بابها رجل جالس على فرش من الخوص ، فسلما عليه فردّ عليهما السلام ، ثم إن الشيخ شمس الدين كلّم الرجل في ذلك ، فقال له الرجل : واللّه يا محمد ، لا بيدي حل ولا ربط ، فقال له قاضي القضاة بالديار المصرية : كرامة للّه تعالى وصار يتعطف به ، ويأخذ بخاطره ويسأله الصفح عنه ، فقال له الشيخ شمس الدين : أنا تائب للّه تعالى ، ولا أعود لمثل ذلك أبدا ، فقال له ذلك الفقير : إن كان ولا بد فقم وسافر من هذه الساعة إلى الإسكندرية فأت بها رجلا من أولياء اللّه تعالى المكرمين صاحب جاه عظيم ، وقدر رفيع وحسب كبير يقال له : سيدي ياقوت العرشي فما يكون الفرج إلا على يديه ، فقال : سمعا وطاعة وكانوا في ذلك اليوم ، فلما وصل إلى الإسكندرية اجتمع بسيدي ياقوت العرشي رضي الله عنه « 1 » فوجده رجلا
هامش
( 1 ) قال الشيخ المناوي عنه : هو أجل تلامذة العارف المرسي . كان إذا شهدته ، شهدت له بالولاية ، وإذا أشهدك ، أشهدك الهداية . -