في أول ترجمتي الكتاب قوله لها : « كون » أي : وجود وتحقق ؛ لأن الكون عبارة عن حصول الشيء ، وذلك عبارة عن معجزة الرسول التي ظهرت بهذه الكرامة علي يد واحد من أمته ؛ لأنه ظهر بها أنه ولي ، ولا يكون وليّا إلا باتباعه في أقواله وأفعاله ، و « كرامات الولي » مبتدأ ، و « لها كون » مبتدأ آخر ، وخبره قدم عليه ، والجملة في موضع رفع خبر المبتدأ الأول ، و « بدار دنيا » يتعلق بالكون ، والمراد منه الثبوت والوقوع فتنبه ، ولا يسبق إلى الفهم أن قوله : « بدار دنيا » ظرف مستقر وقع حالا من الولي الذي هو المضاف إليه ، لأن المضاف ليس عاملا في المضاف إليه ، ولا جزاء ولا كجزء ، وإنما هو ظرف متعلق بالكون أي : لها وجود بدار دنيا ، واستمرار الكرامات لهم بعد موتهم في البرزخ أولى من حال حياتهم ؛ لصفاء نفوسهم عن الأكدار والإنكار ، فإن القول بجوازها في حياتهم وإنكارها بعد موتهم ترجيح بلا مرجح ، وإظهار الكرامة علي يد الولي في حياته بأقدار اللّه تعالى وخلقه لها ، فكذلك بعد الموت ؛ لأنها من الممكنات والقدرة تتعلق بعموم من الممكنات وإلا لزم نسبته القدرة إلى التصور تنزهت قدرته عن ذلك ، وهذا من أقوى الأدلة فافهمه .
أقول : وهذا يؤيد ما قلته من قولهم : إن الولي كالسيف المغمود ، فإذا مات تجرد من غمده ، ولذا أرشدني إلى شيء هو أن حالهم كما كان قائما في حياتهم ، فإنه قائم بعد مماتهم ؛ لأن قبور الأولياء جميعا كالشافعي ومن حوله من أهل المقامات ، وكذلك أولياء اللّه المشهورون في البلدان كالبدوي ، وغيره مزدحمون من كثرة الزوار ، وهذا أمر مشاهد مستمر ، وأي علامة أقوى من هذه العلامة ، وكرامة أقوى من هذه الكرامة ، وهذا نص عليه القطب سيدي شمس الدين الحنفي - قدس سره - وسيأتيك في كلامه إن شاء اللّه تعالى .
تنبيه لدفع شبه ما توهمه المتوهمون بعقولهم القاصرة ، واعتقاداتهم الفاسدة كأبي إسحاق الإسفراييني ، وأبي عبد اللّه الحليمي ، وجمهور المعتزلة القائلين بأن كرامات الأولياء تنقطع ، ونسبوا إلى إمامنا الأعظم أبي حنيفة أن كرامات الأولياء منقطعة فنسبته هذا القول كذب وافتراء عليه لا أصل له البتة ، ولا رواه
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 84
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٨٤