وأصرح منه ما ورد بإسناد صحيح إلى عكرمة مولى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه سئل عن يوم القيامة أهو من الدنيا أم من الآخرة ؟
فأجاب : بأن نصفه الأول الذي يقع فيه الفصل والحساب من الدنيا ، ونصفه الآخر الذي يقع فيه الانصراف إلى النار والجنة من الآخرة . انتهى كذا في المواهب اللدنية ، ونقله المناوي في أول شرحه الكبير على الجامع الصغير .
فإذا كان هذا يوم القيامة بعد فناء البرزخ ، وما يتعلق به حكم في نصفه الأول أنه من الدنيا ، فبالأولى أن يحكم على البرزخ بأنه من الدنيا حقيقة ، وهذا أمر ظاهر فاحفظه .
على أن في حقيقة الدنيا عند المتكلمين قولين :
أحدهما : ما على الأرض من الجو والهواء ، وأظهرهما : كل المخلوقات من الجواهر والأعراض والموجودات قبل الدار الآخرة .
ولا شك في شمول التعريف الثاني للبرزخ ؛ لأنه مخلوق قبل دار الآخرة ، فيؤخذ جواز وقوع كرامات الأولياء بعد موتهم من قولهم : ( بدار دنيا ) .
فافهم ذلك فإنه من أوضح المسالك .
[ إجابة المشايخ مريديهم بعد انتقالهم ]
ثم إني بعد ما كتبت هذا اطلعت على بعض الشروح ، يقول العبد الفقير :
فرأيت الجلال البخاري في شرحه قوله : ( بدار دنيا ) التقييد ( بدار دنيا ) ؛ لأن الاختلاف وقع فيها ؛ لأن دار العقبى محل كرامة جميع المؤمنين انتهى .
وقال شارح آخر : وإنما قيد بدار دنيا ؛ لأن الاختلاف فيها ، وأما العقبى فهي دار محل كرامة لجميع المؤمنين من قوله لها : ( كون ) : أي وجود وتحقق ؛ لأن الكون عبارة عن حصول الشيء ، وذلك عبارة عن معجزة للرسول الذي ظهرت الكرامة لواحد من أمته ؛ لأنه يظهر أنه وليّ ، ولا يكون وليّا إلا باتّباعه في أقواله وأفعاله انتهى .
وقال شارح آخر : قوله : ( كرامات الولي ) مبتدأ ، وقوله : ( لها كون ) مبتدأ وخبر قدّم عليها ، والجملة في محل رفع خبرا للمبتدأ الأول ، وقوله : ( بدار دنيا ) تتعلق بالكون ، والمراد منه الثبوت والوقوع انتهى .