فنقول : هذا لقصر باعنا ، وعدم اطلاعنا على كتب أئمتنا في ذلك .
فإن قلت : لم لم يقل شيخ الإسلام : لأن الكرامات دون المنح ؛ ليكون نصّا صريحا في المقصود ؟ .
قلت : هذا أعم من ذلك ؛ لأن المنح جمع منحة ، وهي العطية ، والعطية أعم من أن يكون أمرا خارقا للعادة كالكرامة ، وغير خارق كقبول شفاعتهم وغيرها من المقامات ، فإن أراد أن ينص أن العطايا باقية لهم بعد الموت بنوعها ، فإنه دليل ظاهر في إثبات ذلك ، وليعلم أن إظهار الكرامة على يد الولي في حياته بإقدار اللّه تعالى وبخلقه لها ، ولا استحالة في ذلك ؛ لأنها من الممكنات ، والقدرة تتعلق بعموم الممكنات ، فكذلك بعد الموت .
ولا فرق في أن موت الولي لا يمنع من ذلك ؛ لأن الموت إنما طرأ على الجسد ، وأما الروح فحيّة ، كما صرّح به شيخ الإسلام ابن الشحنة في أثناء جوابه ، فلا منع في وقوع ذلك ولا إنكار ، فإن القول بعد جوازه ترجيح بلا مرجح .
وأيضا إنا لو قلنا بعدم جواز وقوع الكرامات من الأولياء مع أن اللّه تعالى الخالق لها ، والمقدر لها ، وهي من الممكنات التي تدخل في تعلق القدرة للزم نسبة القدرة إلى القصور ، تنزّهت قدرة اللّه تعالى عن ذلك ، وهذا من أقوى الأدلّة ، فتدبره .
إيقاظ وتنبيه :
ودفع وهم ما يوهمه قول قاضي القضاة الأوشي في منظومته : « بدء الأمالي » من قوله : ( كرامات الولي بدار دنيا ) من اختصاص الكرامات بحال الحياة ممنوع ؛ لأن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا .
ألا ترى إلى ما قالوه : من أنه ينقطع فيه العذاب حتى عن الكفار بين النفختين ، فيجدون لذة المنام ، فإذا نفخ فيه أخرى ، يقول الكافرون :
يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ،
فيقول المؤمن :
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
[ يس : 52 ] فافهم ذلك .