تخرج عن حدّ الحصر ، وذلك موجود الآن بكثرة ، ولا يعارضه قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 ، 27 ] ؛ لأنّا لا نعلم عموم الغيب ، فيجوز أن يختص بحال القيامة بقرينة السياق .
هامش
- والسلبية كالأسماء والصفات ، وكلما يتصور ويعقل ويفرض بأي وجه تعقل وتصور وفرض فهو غير ذلك ، وليس لهذا المقام لسان فغاية التنبيه عليه هذا ، وأمثاله هذا هو حقيقة الحق التي لا تدرك ولا تعلم ولا يحكم عليها ، لا بسلب ولا بإيجاب ، وتسمى هذه المرتبة مرتبة لا تعين ، وإنما سموها بهذا الاسم لضرورة البيان والتواصل إلى الإفهام ، وإلا فهي منزّهة عن الإحاطة علما وشهودا ووجودا سيّما عن التسمية ، وكيف لا والمسمى مدرك ، وقد قررنا أنها ما تدرك فإن قيل فكيف اتّصل علمنا بهذا المشهد الأنزه الغريب والمقام الأنوه العجيب .
قلنا : ذكر صدر الدين القونوي قدّس سرّه في شرح الفاتحة إن هذا القدر من المعرفة المتعلقة بهذا الغيب ولا غيب إنما هي معرفة إجمالية حاصلة بالتعريف الإلهي الأجلى الأعلى ، أو بالكشف الأجلى الذي لا واسطة فيه غير نفس التجلي المتعين من هذه الحضرة الغير المتعيّنة ، وكوشف صاحب الكشف الأوسع الأتم أن كل تعيّن مسبوق بلا تعيّن ، ثم الاستدلال عليه ثانيا بما ظهر منه وامتاز عنه من الأسماء والآثار الوجودية والتجليات النوريّة فإنه أصل كل غيب فافهم .
واستخلص المقصود من الكلام غير متقيّد بالألفاظ وأدوات التوصيل ، فإن المقام ما هو مقام المحاققة فافهم فإذا فهمت هذا فلنرجع ونقول : أول الاعتبار اعتبار علمه نفسه بنفسه ، وكونه هو بنفسه هو فحسب من غير تعقّل تعلق ، أو اعتبار حكم ، أو تعين أمر ثبوتي أو سلبي كان ما كان مما يقبله غيره بوجه من الوجوه ما عدا هذا الاعتبار الواحد المنفي حكمه عن سواه ، وهو مستند الغنى والكمال الوجودي الذاتي والوحدة الحقيقة الصرفة وقوله : « كان اللّه ولا شيء معه » ونحو ذلك ، وهو أول ما يصح أن يعلم المسمّي بالتعين الأول ، فعلّم نفسه بنفسه غنى عن العالمين فافهم .
والاعتبار الثاني : شهوده نفسه في مرتبته سواه من غير أن يدرك ذلك الغير نفسه ؛ لقرب نسبته وعهده ممن امتاز عنه ، ولغلبته حكم الغيب المطلق والتجلي الوحداني ، ثم ظهر حكم تعلق الإرادة بنسبتي التفضيل والتدبير ؛ لاتحادي عالم التدوين والتسطير ، وإبراز الكلمات الإلهية التي هي مظاهر نوره وملابس نسب علمه ومرائي أسمائه وتعيناتها في رقّ مسطور ، فكانت ثمرته شهود الظاهر نفسه في مرتبة الغير والسوي الممتاز عنه في الشهادة الأولى المسمّى بها خلقا ، وسوى هذا غاية الخلق وحكمه الإيجاد وهي قوله : « أحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » وهذا معنى قوله الشيخ الأكبر رضي الله عنه في أوّل الفصوص : إن رؤية الشيء نفسه بنفسه ليس مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون كالمرآة ، فشاء أن يخلق الخلق حتى يكون مرآة يرى فيها فافهم .