ويقوى ذلك ما ثبت في السنة ، وصحّ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى موسى قائما يصلي في قبره ليلة الإسراء ، ورآه في السماء السادسة تلك الليلة .
وقد أثبت الصوفية عالما متوسطا بين الأجساد والأرواح سمّوه : ( عالم المثال ) ، وقالوا : هو ألطف من عالم الأجساد ، وأكثف من عالم الأرواح ، وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم المثال .
يستأنس لذلك بقوله تعالى :
فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
[ مريم : 17 ] ، فتكون الروح كروح جبريل عليه السلام مثلا في وقت واحد مدبرة لشبحه الأصلي ، ولهذا الشبح المثالي ، فإذا جاز تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من العالم المثالي في عالم الدنيا ، ففي عالم البرزخ أولى ، وعلى هذا فالذي يخرج من القبر الشبح المثالي ، هذا تحقيق المقام وليس وراء علم اللّه مقام .
هذا وقد ذكر الشبح عبد الوهاب الشعراني في طبقاته في ترجمة القطب سيدي شمس الدين محمد الحنفي « 1 » : أنه قال في مرض موته : من كان له حاجة
هامش
( 1 ) هو سيدي محمد بن حسن بن علي ، الشيخ شمس الدين الحنفي ، الصوفي الشاذلي ، صوفي معالمه سامية ، مناهل معارفه طايمة ، سيرته فاضلة صالحة ، وموازين عمله راجحة ، حسن السياسة ، وافر الجلالة والرئاسة .
ولد تقريبا سنة سبع وستين وسبعمائة ، نشأ يتيما من أبويه ، فحفظ القرآن واشتغل قليلا ، وسمع البخاري ، والشفا علي التنوخي وغيره ، وكتب عن الزين العراقي .
وجد واجتهد حتى صار من ذوي العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، والكرامات الظاهرة والأنفاس الطاهرة ، يخضع له الملوك فمن دونهم .
وكان ظريفا ، جميلا في بدنه وملبسه ، ويغلب عليه شهود الجمال .
وفي الواقع . . إنه من ذرية الصدّيق .
قال العيني في تاريخه : لم نجد أحدا من الأولياء أكثر كرامات منه .
وكان رفيقه في المكتب الحافظ ابن حجر ، ولما بلغ أربع عشرة سنة ، قعد يبيع الكتب بالكتبيين ، فمرّ عليه رجل فقال : يا محمد ، ما للدنيا خلقت . فترك الحانوت وجميع ما فيه للناس ، وذهب ولزم الزهادة والإقبال على العبادة ، وحبّب إليه الخلوة ، فاختلى سبع سنين ، في خلوة تحت الأرض - وهي التي دفن فيها - فسمع قائلا يقول له : اخرج وانفع الناس وإلا سلبناك . . فقال : ما بعد السلب إلا القطيعة ، فخرج ، فوجد الناس يتوضئون على الفسقية ، فمنهم بعمائم بيض وصفر وزرق ، وبصورة قرد وكلب وخترير وثعلب ، وغير ذلك على صورة ما في قلوبهم فقال : اطلعت -