هامش
- الأرواح المهيمة صفة القدم من وجه ، وصفة الحدوث من وجه ، يعني من وجه افتتاح وجوده عن عدم ، فلأوليته وقدمه ذلك بخلاف أزلية الواجب وأوليته ، فإنه تنزّه في ذلك عن ذلك يعني بحسب التعقل ، وإلا فهو أزلي أبدي لا يقبل العدم ولا الحدوث بحال ؛ لكونه أثر القديم ولحياته الذاتية .
فإن قلت : وكيف يكون قديما وحياته ذاتية ، وهذان الوصفان للحق تعالى ؟
قلت : إن السادة يقولون بالقدم نحو هذا ، والفرق بين قدمه وقدم الحق تعالى تأخر نحو هذا مما قيل بأنه قديم في التعقل عن قدمه تعالى ، وكون حياته ذاتية يجعل الحق لها كذلك ، وحياته تعالى لا تكون بجعل جاعل .
وهذا العقل مظهر الاسم الأول ، فالحق تعالى وصف بالأولية في هذا المقام من وراء حجاب هذا العقل .
والفرق بين هذه الأولية الكائنة بهذا المظهر والأولية الذاتية : أن الأولى معناها سبق الوجود ، وهذه معناها افتتاح الوجود عن عدم : أي عن عدم متعقل .
وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أول ما خلق اللّه العقل » : أي أول ما قبل أمر التكوين من غير واسطة حيث إنه مجرد ولا مادة له ، وليس هو مخلوقا بالواسطة .
قال اللّه تبارك وتعالى :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[ الإسراء : 85 ] ، حيث إنكم لم تفرقوا بين عالم الأمر وعالم الطبيعة .
فإن قلت : وكيف يكون مخلوقا وهو قديم ، والخلق يقتضي الحدوث ؟ .
قلت : هو حادث قديم : أي حادث بالحدوث الذاتي ، حيث إنه أثر القديم الواجب قديم بالزمان ، حيث إنه ليس مسبوقا بالعدم الزماني .
فإن قلت : فكيف تثبت قدم نحو هذا من المجردات ، فهو وإن وصف بالقدم إلا أنه لا يسابق بوجوده وجود بارئه سبحانه فإن له أزلية الآزال ، وليس معه فيها سواه ، وقد أشير إلى هذا ، فكيف تعطل صفات الحق تعالى .
وكيف تقول بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » .
فهل عندك سوى الكلام الذي لا طائل تحته ، وهذا بحث خارج عن الصدد ، ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أنه صلى اللّه عليه وسلم باعتبار سره هو هذا القلم النوراني ، فإنه نفس روحه الشريفة بل روحه الكمّل من الأنبياء ، لكنه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم أتم ؛ لأن هذا القلم لإجماله وعدم تفصيله كان أقرب نسبة إلى البرزخ الأول برزخ البرازخ ، وهو الحقيقة المحمدية .
فلذا كان انتسابه للنور المحمدي دون بقية الكمّل ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « وإني عند اللّه لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته » .
فلتمكنه في هذا المظهر الأول علم أنه خاتم الأنبياء في عالم الأرواح دون بقية الرسل ، فإنهم لم يعلموا -