هامش
- وكان مشايخ عصره يقولون : إنما حال الشيخ قضيب البان من وراء العقول ومن كلامه أن الولي الروحاني لم تزل له همة متعلقة في كل دار وعالم ، وله لكل عالم وجه يرى به أهل ذلك العالم على حسب مراتبهم ومقاماتهم ، وإذا صرّفه الحق تبارك وتعالى في عالم الحس لم يزل تصريفه باقيا على حسب ما وهبه الحق تعالى من قوة سريان روحانيته ، خصوصا في دار الدنيا ؛ فإنها محل الظهور ، وإذا مات سرى سره في مقامه الذي كان يتعبد اللّه تعالى فيه في الدنيا ، وتعلقت همته بما له من أصحاب وذرية ومريدين ، ولم تزل له فيهم آية بعد انتقاله من دار الدنيا ، فلمّا نقل رضي الله عنه من دار الدنيا كان يشاهد أكثر أصحابه يتعبّد اللّه تعالى في رباطه ، ويتردد إليه في أوقات متعددة على هيئته المعروفة ، ويرونه في النوم والخيال إذا قصدوه ، وكانت له أخت في الموصل ضريرة حافظة للقرآن قد كبر سنها حتى جاوزت مائة سنة ، وكانت مقعدة فكان يحسن مداراتها ، ولما توفي كانوا يرونه يتردد إليها بصورته ، وكانت تسأله عن أحوال الآخرة فيجيبها ، ويقضي مهمّاتها وحوائجها حتى انتقلت إلى رحمة اللّه تعالى ، وهذه الأحوال لم تتفق لغيره رضي الله عنه وأرضاه .
وكان من كراماته الباهرة : أن رباطه إذا دخله جنب احترقت ثيابه من غير نار ، وكان يسمع من قبره الشريف قراءة القرآن كله خصوصا يس في ليلة الجمعة ، وكان قنديل حضرته المشرّفة يرى من المسافة البعيدة مشعولا فإذا دخل الرائي مقبرته لم ير الذي كان يراه من البعد ، وما كان يقع في ضمير أحد من الداخلين عليه شيء إلا أخبره به ، وكشف له عن مشكلاته ، وكان يطعمهم الثمار الطرية من الأشجار اليابسة ، ويظهر لهم قلب الأعيان حتى يكون الجماد حيوانا والحيوان جماد .
وعن الشيخ أبي الفتح المقدسي قال : كنت في بداية أمري في سنجار مجاور الجامع النوري على سبيل التجريد والتوكل ، وكنت أحبّ الاجتماع بالشيخ قضيب البان إلا أني مقعد لا أقدر على المشي ولا أستطيع الركوب لداء لحقني ، قال : فدخل عليّ ذات ليلة بعد صلاة المغرب رجل ، فسلّم عليّ وجلس إليّ ، وأنسني ، ثم أخرج لي حلوى وأطعمني ، ثم قال لي : كم تطلب من اللّه تعالى أن يجمعك بقضيب البان ؟ فقلت : بلى يا سيدي إن لي زمانا أتمنى على اللّه ذلك ، فقال : أنا الفقير الذي طلبته من اللّه تعالى ، قد أرسلني الحق تبارك وتعالى إليك ، فوقعت على أقدامه أقبلها ، ثم دعا لي ، ومسح على بدني فعوفيت ، وكاشفني بكل أحوالي وخواطري التي كانت مني ونسيتها ، وعاهدني ، وألبسني طاقية ، وقام يصلّي الليل كله ، ويختم القرآن في ركعاته ، وودعني عند الصبّاح وانصرف عني ، فأقبل عليّ أهل البلد بالقبول ، وجعلوا يتبركون بي وروّجوني ، ولم أكن أقرأ ولا أكتب ففتح اللّه تعالى عليّ ببركته كل باب خير ، فكنت كلما أشتاقه أراه حاضرا إلى جانبي .
وقال الشيخ أبو المكارم : كنت في جزيرة ابن عمر فصحبني رجل صالح من أهلها ، ودعاني إلى منزله -