هامش
- فحرقت له العادات ، وظهرت على يده الكرامات ، وكانت له قدم راسخة في قطع المسافات البعيدة في اللحظات اليسيرة ، وكان يصلّي إماما بالشيخ عدي بن مسافر ثم استدعاه الشيخ عبد القادر الكيلاني ، فصلّى به نحو عشرين سنة ، وكان يطول له الزمان فيفعل في الوقت اليسير من أعمال البر ما لا يقدر على حمله في الشهور الكثيرة ، تطوى له الحروف والكلمات ، ويطول له الزمان فكان يختم القرآن في اليوم سبعين ختمة ، وكان له التصريف في العالم العلوي والسفلي ، وطارت مناقبه في جميع الأقطار ، وكان الغالب على أحواله في بداية أمره الاستغراق والوله ، ثم انتقل إلى مرتبة القطبية والتصريف ، وكان في أول أمره ربما شطح فقطع الهامة البعيدة في الزمن اليسير ، ثم يعود إلى محله .
وروي عنه رضي الله عنه أنه قال : وجهت وجهي إلى اللّه تعالى ، واستغرقني الحال ، واختطفني الشهود زمانا حتى تداركني اللّه تعالى بالعناية ، ورأيت الحق تبارك وتعالى في منامي فقال لي : أنت عبدي حقا قد جعلتك من أهل صفوتي ، وأيدتك بروح مني في خلقي ، ارجع إلى خلقي على سنة جدك محمد عبدي ورسولي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رجعت إلى حسي رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم وابن عمه عليّا رضي الله عنه واقفين على رأسي ، آخذا كل منهما بيدي - رضي اللّه تعالى عنهما - وكان الشيخ حيوة بن قيس الحرّاني رضي الله عنه يحبه محبة عظيمة ، وكان يلازم مجلسه ، ويتزاوران وما كان يقع عليه بصر أحد إلا أحبه وهابه واجتذب قلبه ، وكان الناس يقصدونه من كل قطر وناحية ، ويستشفون به من كل عارض ، وكانت الموصل والعراق في زمنه آمنة من القرع والخطف ، وحملوا إليه أعمى مقعدا ، فصرخ صرخة عظيمة انصدعت لها القلوب ، فقام يمشي بصيرا ، واكتبوا على أقدامه يقبلونها ، وهو رضي الله عنه يتبسّم .
ومن كلامه رضي الله عنه : لكل زمان فرد يخلو بأسرار اللّه تعالى ، ويقوم وحده بأمر اللّه تعالى فلا تتحرك ذرة في العالم العلوي والسفلي حتى يحيط بها علما ، ويراها عينا ويعطيها من الوجود فيضا لبقاء عينها .
وقال بعض أصحابه : كنّا نراه سنة لا يأكل ويشرب ، وسنة لا يشرب ويأكل ، وسنة لا يأكل ولا يشرب ، وكان يتطور بأي هيئة شاء ، وكنّا نراه ينمو حتى يملأ البيت ، ويصغر حتى لا يكاد يرى ، ويعلو في الجو حتى يغيب في السماء ، ثم يهبط نازلا ، وسئل عن حالة نموه فقال : هي حالة الجمال ، وعن حالة اضمحلاله فقال : هي حالة الجلال ، وكان يسكن بقصر له في المعلى ، وكان للقصر طاقات كثيرة من جوانبه الأربعة فوق أربعين طاقة ، فمرّ الخليفة العباسي على القصر ، فناداه من أسفل القصر ، والناس ينظرون فنظر الشيخ إليه من جميع الطاقات ، فدخل الخليفة عليه ، وصار يقبّل قدميه وهو يبتسم في وجهه . -