الدار الآخرة ، ولا شكّ أن البرزخ من المخلوقات الموجودة قبل الدار الآخرة فالمراد بالدنيا في كلامه : ما قابل الآخرة ، وهي ما بعد الموت من القبور لا ما قبله حتى يشمل ما بعد الموت إلى البعث ، وإن احتمله الكلام احتمالا غير مؤيد بدليل .
ومن ثمة نقل ابن القيم عن أبي يعلى : أن عذاب القبر من الدنيا ، لانقطاعه قبل البعث بالفناء ، ولا يعرف أمد ذلك ، وأيّده الجلال في « شرح الصدور » ويؤيده ما أخرجه هنّاد بن السري في « الزهد « 1 » » عن مجاهد قال : للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم حتى يوم القيامة ، فإذا صيح بأهل القبور ، يقول الكافر :
يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[ يس : 52 ] .
فيقول المؤمن من جنبه :
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ
[ يس : 52 ] .
في المواهب اللدنية بإسناد صحيح إلى عكرمة مولى ابن عباس أنه سئل عن يوم القيامة : أهو في الدنيا أم في الآخرة ؟ فأجاب : بأن نصفه الأول الذي يقع فيه الفصل والحساب من الدنيا ، ونصفه الآخر الذي يقع فيه الانصراف إلى النار من الآخرة ، انتهى .
فإذا كان يوم القيامة بعد فناء البرزخ وما يتعلق به حكم في نصفه الأول بأنه من الدنيا فبالأولى أن يحكم على البرزخ أنه من الدنيا حقيقة ، فعلى هذا يؤخذ جواز وقوع كرامات الأولياء بعد الموت من قوله : ( بدار دنيا ) ، ومن ثمة لم يتعرض أحد فيما رأيته في شروح النظم مع كثرتها إلى التصريح بانقطاع الكرامات ؛ بل قال شارحه الجلال : التقييد بدار دنيا ؛ لأن الاختلاف بين أهل السنة والمعتزلة وقع فيها ؛ لأنها دار محل كرامة جميع المؤمنين .
وقال شارحه السمهودي : ينبغي أن يكون ظهور الكرامات لهم بعد موتهم ، أولى من ظهورها حال حياتهم ؛ لأن النفس باقية صافية من الأقدار والمحن
هامش
( 1 ) رقم ( 319 ) ، بتحقيقنا .