هامش
- النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك يا رسول اللّه ، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى » .
قال الإمام القسطلاني : زاد في رواية يحيى : « فسمع منها ما يكره » قال : أي من نوح أو غيره على القبر ، وزاد في رواية مسلم : « قيل لها : هل تعرفينه ؟ قالت : لا ، فقيل لها : هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذها مثل الموت من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ، قال : وإنما اشتبه عليها صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء انتهى .
فأنت تراه صلى اللّه عليه وسلم إنما أمرها بالتصبّر والاحتساب ، ونهاها عن البكاء ، ولم ينهها عن الزيارة .
وقال العلّامة المذكور : يندب لهن زيارة قبور الأنبياء والأولياء لرجاء الخير والبركة انتهى .
قلت : والأظهر تقييد هذا بغير الشواب اللاتي يخشين من خروجهن الفتنة ، ويدل لهذا التقييد قول العلّامة المذكور في شرحه على البخاري : أن ما ورد من الأمر بالزيارة محمول على الندب بالنسبة للرجال ، وأما الشواب من النساء فالظاهر الحرمة .
قال : وعليه يحمل حديث الإمام الترمذي : « لعن اللّه زوّارات القبور » .
قال : وقال القرطبي : يحتمل أن الحرمة منصبة على الكثرة أخذا من قوله : زوارات للمبالغة ، وحمل بعض الشّراح ذلك على زيارتهن للتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن .
قال الشارح القسطلاني : ولو قيل بالحرمة في حقهن في هذا الزمان لا سيما نساء مصر لما في خروجهن من الفساد لم يبعد انتهى .
وقوله : البكاء : أي برفع صوت ، وأما مجرد حزن وسيلان دمع فلا كراهة ولا منع ؛ لما ذكره الإمام القسطلاني عن الإمام الترمذي : « دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عثمان بن مظعون وهو ميت فأكبّ وقبّله وبكى حتى سالت دموعه على وجنتيه » .
وفي رواية عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم ، وإن الميت يعذّب ببكاء أهله عليه : أي إن أوصاهم بذلك » انتهى .
قال الإمام القرطبي : قال العلماء : ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور لا سيما إن كانت قاسية ، وذلك لما فيه من مزيد الاعتبار والتأمل فيما صار إليه أمرهم .
قال في كنز الأسرار : وما زال على ذلك أهل الفضل واليقين .
وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم نسخ النهي ، وأمر بعد ذلك بالزيارة لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها تزهدكم في الدنيا وتذكركم الآخرة » . -