تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
هامش
- وأصبحت زاوية الشعراني التي أسسها ليتلقى فيها الطلاب علوم الظاهر مع أذواق الباطن من أعظم منارات العلم والثقافة والتوجيه في العالم الإسلامي في ذلك الوقت ، وغدت مثابة للعلماء والأدباء ، ومنبرا للدعوة والإرشاد ، وساحة للذكر والعبادة ، ورواقا يرسل الشعاع الروحي النقي في عصر انطفأت فيه المصابيح ، وخمدت مشاعل الحياة . وأصبح الشعراني قطب الرحى في عصره يلوذ به طلاب العلم وطلاب الذوق ، كما يلجأ إليه أصحاب الحاجات والشفاعات ، وعلى باب الزاوية يزدحم الأمراء والكبراء . فكان الإمام متخلق بخلق التصوف متأدب بآدابه وأخذ نفسه بكل ما كتب وسطر في كتبه فكان خلقه صورة رسالته . وكان الشعراني يرى أن الإنسان لا يكون إنسانا إلا إذا شارك الناس كافة في أحزانهم وآلامهم ؛ لأن الإنسانية وحدة متماسكة خيرها مشترك ، وعذابها مشترك ، يقول : من ضحك أو استمتع بزوجه أو لبس مبخرا أو ذهب إلى مواضع المتنزهات أيام نزول البلاء على المسلمين فهو والبهائم سواء . وكان رحيما بالناس ، ورحيما بنوع خاصّ بالعصاة والمذنبين ، لأنهم أشد الناس ضعفا ، وأحوجهم إلى العطف والنصح والرحمة . يقول متحدثا عن مبادئه : ثم سترى لعورات الناس وعيوبهم ورحمتي بالعصاة حال تلبسهم بالمعصية ، فإنهم أشقى الناس حينئذ . ثم يقول واصفا خلقه : ثم غيرتي على أذني أن تسمع زورا ، وعيني أن تنظر محرما ، ولساني أن يتكلم باطلا . وكان الشعراني يرى أن العبادة لا تصلح إلا بصلاح القلب ونقاء الأخلاق ، فكان لا يقوم إلى الصلاة إلا إذا فتش قلبه ، هل فيه غلّ أو حقد ، أو حسد ، أو نميمة ، أو شهوة صغيرة أو كبيرة ، بل كان يستحيي أن ينام وفي قلبه شيء من هذا ؛ لأن النوم رحلة الروح إلى الملأ الأعلى . ويسمو الشعراني في أدب النفس ، ويرتفع في معارج الخلاق ، فيقول : ومما أنعم اللّه به عليّ عدم خروجي من بيتي إلا إذا علمت من نفسي القدرة بإذن اللّه على هذه الثلاث خصال : تحمل الأذى عن الناس ، وتحمل الأذى منهم ، وجلب الراحة لهم . وقال ابن العماد الحنبلي : حسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع ، وعقائد زائغة ، ومسائل تخالف الإجماع ، وأقاموا عليه القيامة ، وشنعوا وسبوا ورموه بكل عظيمة فخذلهم اللّه وأظهره عليهم ، وكان مواظبا على السنة مبالغا في الورع ، مؤثرا ذوى الفاقة على نفسه حتى بملبوسه ، متحملا للأذى موزعا أوقاته على العبادة ما بين تصنيف وتسلك وإفادة ، واجتمع بزاويته من العميان وغيرهم نحو مائة فكان يقوم بهم نفقة وكسوة ، وكان عظيم الهيبة وافر الجاه والحرمة ، تأتي إلى بابه الأمراء . وكان يسمع لزاويته دوي كدوي النحل ليلا ونهارا . وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ولم يزل مقيما على ذلك معظما في صدور الصدور -
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 254 | أحمد فريد المزيدي / مجموعة مؤلفين