هامش
- وحفظ الشعراني في قريته كما يحدثنا في المنن القرآن الكريم ، ثم حفظ أبا شجاع والأجرومية ، ودرسهما على أخيه الشيخ عبد القادر .
وتوفي والده قبل أن يبلغ العاشرة ، فنشأ يتيما من الأبوين ، وكان اللّه وحده كما يقول هو نصيره ووليه .
ويقص علينا الشعراني تاريخ حضوره إلى القاهرة بذلك الأسلوب القلبي الأخّاذ الذي عرف عن الشعراني فيقول :
وكان مجيئي إلى القاهرة سنة عشرة وتسعمائة ، وعمري إذ ذاك اثنتا عشرة سنة ، فأقمت في جامع سيدي أبو العباس الغمري ، وحنن اللّه علي شيخ الجامع وأولاده فمكثت بينهم كأني واحد منهم ، آكل ما يأكلون ، وألبس ما يلبسون ، فأقمت عندهم حتى حفظت متون الكتب الشرعية وآلاتها على الأشياخ .
ثم يقول : ولم أزل بحمد اللّه محفوظ الظاهر من الوقوع في المعاصي معتقدا عند الناس ، يعرضون عليّ كثيرا من الذهب والفضة والثياب ، فتارة أردها ، وتارة أطرحها في صحن الجامع ، فيلتقطها المجاورون .
ولبث الشعراني في مسجد الغمري ، يعلّم ويتعلم ويتهجد ويتعبد سبعة عشر عاما ، ثم انتقل إلى مدرسة أم خوند ، وفي تلك المدرسة بزغ نجم الشعراني وتألق .
ويقول الشعراني : ولقد اجتمعت بخلائق لا تحصى من أهل الطريق ألتمس لديهم المفاتيح والأبواب ، فلم يكن لي وديعة عند أحد منهم .
قرأ الشيخ على العلماء والأئمة كتب ومتون ما لا يحصى كثرة ، وحبب إليه علم الحديث فلزم الاشتغال به والأخذ عن أهله ، ومع ذلك لم يكن عنده جمود المحدثين ولا لدونه النقلة ، بل هو فقيه النظر ، صوفي الخبر ، له دراية بأقوال السلف ومذاهب الخلف ، وكان ينهي عن الحط على الفلاسفة وتنقيصهم ، وينفر ممن يذمهم ، ويقول هؤلاء عقلاء ، ثم أقبل على الاشتغال بالطريق مجاهدا نفسه مدة ، وقطع العلائق الدنيوية ، ومكث سنين لا يضطجع على الأرض ليلا ولا نهارا ، بل اتخذ له حبلا بسقف خلوته يجعله في عنقه ليلا حتى لا يسقط .
وكان يطوى الأيام المتولية ، ويديم الصوم ، ويفطر على أوقية من الخبز ، ويجمع الخروق من الكيمان فيجعلها مرقعة يستتر بها ، وكانت عمامته من شراميط الكيمان وقصاصة الجلود ، واستمر كذلك حتى قويت روحانيته ، وكان يفتتح مجلس الذكر عقب العشاء ، فلا يختمه إلا عند الفجر .
فقد عاش الشعراني حياته تحت ظلال المساجد ليله ونهاره متبتلا في طلب العلم ، عالما في التعبد ، عاش نقيّا طاهرا مجاهدا في سبيل الكمال العلمي والكمال الخلقي .
فكان صوفيّا في منهجه الذي أخذ نفسه به طوال حياته ، يقول في المنن : إن من منن اللّه عليّ أن ألهمني مجاهدة نفسي من غير شيخ منذ طفولتي . -