تخلص يدها ، فجلدوها ، فتخلصت يدها ، فمن ثّم قيل : « لا يفتى ومالك بالمدينة » « 1 » .
قال الإمام عبد اللّه بن المبارك رضي الله عنه : « كنت عند مالك بن أنس ، فدخل عليه الإمام أبو حنيفة فقام الإمام مالك مسرعا ، وقبّل بين عينيه ، وأجلسه مكانه ، وجلس مالك بين يديه متأدبا متواضعا ، فلما خرج من عنده أثنى عليه ثناء حسنا ، ورفع مقامه ومحله ، ثم قال : أتدرون من هذا الذي كان عندي ؟
قالوا : من هو ؟ - وعرفته أنا - قال : هذا أبو حنيفة العراقي ، لو قال هذه الأسطوانة ذهبا ، أو قال هي من ذهب ، لخرجت كما قال » .
هامش
( 1 ) كان رضي الله عنه رجلا طويلا ، عظيم الهامة ، أصلع ، أبيض الرأس واللحية ، شديد بياض الثياب ، وكان لباسه الثياب العدنية الجياد ، وكان إذا أراد أن يجلس لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اغتسل وتبخّر وتطيّب ، ومنع الناس أن يرفعوا أصواتهم ، وكان إذا دخل بيته جلس للمصحف وتلاوة القرآن ، وكانت السلاطين تهابه ، وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثلة .
وكان إذا قال في المسألة : لا أو نعم لا يقال له : من أين قلت هذا ؟ ! .
وأخذ العلم عن تسعمائة شيخ ، منهم ثلاثمائة من التابعين ، ولما ضربه جعفر بن سليمان العباسي في طلاق المكره وحمله على بعير قال : ناد على نفسك ، فقال : ألا من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس ، أقول : طلاق المكره ليس بشيء ، فبلغ ذلك جعفر فقال : أدركوه وأطلقوه .
وكان يقول : لا ينبغي للعالم أن يتكلّم بالعلم عند من لا يطيعه ، فإنه ذلّ وإهانة بالعلم .
وكان يقول : من حق طالب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية .
وكان يقول لمطرف : ماذا تقول الناس فيّ ؟ فقال : أمّا الصديق فيثنى ، وأما العدو فيقع ، فقال : ما زال الناس هكذا لهم عدو وصديق ، ولكن نعوذ باللّه من تتابع الألسن كلها بالذم .
وسئل عن قوله تعالى :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] ، كيف استوى ؟ فعرق وأطرق ، وصار ينكث بعود في يده ، ثم رفع رأسه وقال : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأظنك صاحب بدعة ، وأمر به فأخرج .
ولد رضي الله عنه سنة ثلاث وتسعين ، وتوفي سنة سبع وسبعين ومائة ، ودفن بالبقيع رضي الله عنه .
انظر في ترجمته : حلية الأولياء ( 6 / 316 ) ، وتهذيب التهذيب ( 10 / 5 ) ، والديباج المذهب لابن فرحون ( 17 - 30 ) ، وصفة الصفوة ( 2 / 99 ) ، الشذرات ( 1 / 289 - 292 ) ، وكتب تراجم فقهاء المذهب .