فردّ على السلام وقال لي : من أنت ؟ ومن أي ؟ فقلت : من أهل بغداد ، فقال لي : إذا أتيت بغداد فاقرئ مني السلام على أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، وقل له :
إنك إمام أهل زمانك ، وكلامك حجة في دين اللّه عز وجل ، ثم غاب عني فلم أره ، فعلمت أنه أبو إلياس الخضر ، فأبلغت أبا حنيفة السلام ، فبكى بكاء شديدا حين أبلغته ، وقال : وعلى الخضر السلام ورحمته وبركاته » .
ولم يزل العلماء وذوو الحاجات يزورون قبر الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى ويتوسلون به إلى اللّه تعالى في قضاء حوائجهم ، ويرون نجاح ذلك في الحال « 1 » .
هامش
( 1 ) ولد سنة ثمانين من الهجرة ، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة ، كان رضي الله عنه حسن الوجه ، حسن الثياب ، طيب الريح ، كثير الكرم ، حسن المواساة لأخوانه .
وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من داره .
وكان يقول : ما صليت قط إلّا ودعوت لشيخي حمّادا ، وكل من تعلمت منه علما أو علمته .
وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول : الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه ، وكان لا ينام الليل ، وسمّوه الوتد لكثرة صلاته ، وصلّى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة .
وكان عامة الليل يقرأ القرآن كله في ركعة واحدة ، وكان يسمع بكاؤه حتى يرحمه جيرانه ، وختم القرآن في الموضع الذي مات فيه سبعة آلاف مرة ، وكان نومه دائما في الصيف ساعة بين الظهر والعصر ، وفي الشتاء ساعة أول الليل ، وأخذ العلم عن شيخه حماد ، وهو عن إبراهيم النخعي ، وهو عن علقمة ، وهو عن ابن مسعود ، وهو عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك قالوا : الفقه زرعه عبد اللّه بن مسعود ، وسقاه علقمة ، وحصده إبراهيم النخعي وحماد ، وطحنه أبو حنيفة ، وعجنه أبو يوسف ، وخبزه محمد ، والناس يأكلون من خبزه ، ونظمه بعضهم فقال :الفقه زرع ابن مسعود سقى علقمة * إبراهيم حصاده حماد دوّاس
نعمان طاحنه يعقوب عاجنه * محمد خابزه والآكل الناسوقد ظهر علمه بتصانيفه ، قيل : إنه صنف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعة وتسعين كتابا .
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : من أراد الفقه فليلزم أصحاب أبي حنيفة ؛ فإن المعاني قد تيسّرت لهم ، وثبت أن ثابتا والده أدرك الإمام علي بن أبي طالب فدعا له ولذريته بالبركة . -