بالتسبيح بحمدك ، أي : نقول : سبحان اللّه وبحمده
وَنُقَدِّسُ لَكَ
أي :
ننزهك عما لا يليق بك ، فاللام صلة والجملة حال ، فنحن أحق بالاستخلاف « 1 » .
قال اللّه تعالى :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] .
والحكمة في استخلاف آدم أن ذريته فيهم المطيع والعاصي ، فيظهر العدل بينهم .
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة : 31 ] أي : أسماء المسميات حتى القصعة والقصيعة بأن ألقى في قلبه علما « 2 »
ثُمَّ عَرَضَهُمْ
- أي : المسميات -
هامش
( 1 ) عللت الملائكة بالتسبيح مع أنه تعالى أخبر أن كل شيء يسبح بحمده ، ولكن هنا فرق آخر ، وهو أن تسبيح العالم يثبت بشهادة اللّه تعالى .
حيث قال :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[ الإسراء : 44 ] : أي بحسب علمهم وقدر معرفتهم ، فيكون ضمير بحمده راجعا إلى كل شيء ؛ لأنهم قدّروا اللّه حق قدره ، وتسبيحهم بأدعيائهم .
وإن كان في نفس الأمر يحتمل أن يكون موافق الحق ، ولكن ما نعلم أن اختيارهم بهذا من الاتفاقات الحسنة ومن التعريف الإلهي ؛ لأن المسبّح أثبت على نفسه الحجاب ، ولا يكون المسبّح في حالة الشهود ؛ لأن الشهود فناء ، والعالم لا يفتر عن التسبيح طرفة عين ؛ لأن تسبيحه ذاتي كالنفس للمتنفس ، فدلّ أن العالم لا يزال محجوبا ، وطلبهم بذلك التسبيح هو المشاهدة ، فخلق الإنسان على صورته وأعطاه دوام المشاهدة ، وعرف الملائكة بمرتبته السنيّة ، وأخبرهم : إن لهم بهذه الكرامة .
أما ترى قول الشيخ الأكبر رضي الله عنه في « الفتوحات » أنه قال : كل العالم يسبّح غير الإنسان الكامل ؛ لأن التجلّي له دائم ، وحكم الشهود له لازم يا ليت شعري ! لو قالت : نسبّحك بحمدنا : أي بما نحن عليه كان يخلّصهم ؛ لأن كل أحد ما يسبّح إلا بحمده : أي بقدر علمه وكشفه .
قال تعالى تنبيها لذلك :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[ الأنعام : 91 ] فافهم .
( 2 ) إنما تقوم الخلافة بعلم الأسماء أولا كما قال تعالى :وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ( 2 ) [ البقرة : 31 ] ، ثم بالوصول إلى حقائق المسميات ، ثم بالترقّي إلى حقيقة الحقائق التي هي المسمّى الحقيقي بأن يكون ظاهرا بأسمائه الحسنى ، ومتجلّيا بصفاته العليا ، ومتحققا المثلى ، فإن الخليفة لا بد وأن يكون على صورة المستخلف ؛ كالوزير مع السلطان ، وإليه الإشارة بقولة من قال : من أكبر أكابر الرجال سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها يعني : أظهر آدم وهو عين صورة الحق في الظهور بالحقائق .
ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه آدم على صورته » : أي على صورته الحقيقية إذ لا صورة للّه تعالى إلا من حيث تنزلاته واسترسالاته ، وكذا أظهر الوزير وهو عين السلطان في رتبته وحكمه وظهوره ، -