قال اللّه تعالى :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 30 ] .
فلما خلق اللّه تعالى آدم عليه السلام أعطاه العلم والحكمة ، كما قال تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[ البقرة : 31 ] .
خاطب الملائكة فقال :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ البقرة : 31 ] فأقروا بعجزهم ؛ إذ كان لهم عبادة ولم يكن لهم علم قالوا :
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[ البقرة : 32 ] .
قال اللّه تعالى :
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
[ البقرة : 33 ] فلما أنبأهم بأسمائهم علموا فضله على أنفسهم كفضل العلماء على الجهلاء ، فرفع اللّه قدره على قدر الملائكة بالعلم ، وأمرهم بالسجود له لقيمة علمه كما قال :
فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ الحجر : 29 ] .
ووضع لآدم - صلوات اللّه وسلامه - عليه تاجا من نور ، فوقفت الملائكة
هامش
- ( وهو عين ما وقع منهم ) وقعت فيما غابت به غيرها ، ونازعت في الإطاعة والانقياد ، وقالت ما قالت ، ووقعت في الفساد وهم لا يشعرون ، وكذلك وقع منها سفك الدماء .
ذكر رضي الله عنه في الباب الرابع والخمسين ومائة من « الفتوحات » : إن الملائكة التي أنزلها اللّه في بدر كانوا من الملائكة ، أو هم الملائكة التي قالوا في خلق آدم عليه السلام :قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ[ البقرة : 30 ] ، فأنزلها اللّه سبحانه في بدر ، فسفكوا ، ووقعوا فيما عابوا به ، انتهى كلامه رضي الله عنه .
ولو لم تعترض الملائكة ما ابتليت بالسجود ، فلما علم الحق منها السعوف والعلو على آدم عليه السلام ، فأنزل بهذا العضال دواءا شافيا ، فأمرهم بالسجود ، فلمّا تحسّوا هذا الدواء حسوا برئوا من الزهو ، وعلموا أنه يفعل ما يريد ، وما ابتلوا به إلا عن إغضاب دقيق خفي لا يشعر به إلا الراسخون . وهكذا كل انتقام إلهي يقع بالظلم لا يكون إلا بعد إغضاب ، وتحصيل معرفة الإغضاب على غاية الاستقصاء حتى يجتنبوا عنه في غاية الصعوبة ، فإنه من علم الأسرار ما يعرفه كل أحد .
وكان حذيفة اليماني صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عالما به ، فلهذا سمّي بهذا الاسم : أي صاحب السرّ ، وليس علم أنفع منه في حق الأولياء ، ذكره رضي الله عنه في الباب الحادي والأربعين وثلاثمائة من « الفتوحات » .
وكل ذلك من عدم العلم والكشف بحقائق الأمور وعدم الاطّلاع بأحكام القضاء والقدر .