تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
هامش
- وإنما وقع الغلط من استعجالهم بهذا القول من قبل أن يعلموا حكمة اللّه تعالى فيه ، وما حملهم على ذلك إلا الغيرة التي فطرت عليها في جناب اللّه سبحانه ويحتمل أن يراد من النشأة لنشأتها : أي أنها قالت : من حيث نشأتها ومقتضائها ؛ لأنها طبيعية : أي مخلوقة من الطينة . ولولا أن الملأ الأعلى له جزء من طبيعة ، ويدخل من حيث هيكلها النوريّة المادية التشاجر ، والخصام لما اختصمت ، فإن الخصام من التنافر ، والتنافر من التركيب ، فإذا تجرّد لا خصام ، ولا نزاع . قال رضي الله عنه في « الفتوحات » : لا بد في نشأتها من المنازعة ، ولا سيما المولد من الإمكان فإنها مولدة من مولد ، فلو وقفوا مع روحانيتهم وتجرّدهم ، فلم يقولوا ما قالوا ؛ بل يقولون : ذلك إليك تفعل ما تريد ، انتهى كلامه رضي الله عنه . وذلك لأن أول جسم خلقه اللّه تعالى الأرواح المهيمة ومنهم : العقل الأول ، وأمّا النفس الكل التي هي اللوح المحفوظ ، فهي بواسطة العقل ، فكل ملك خلق بعد هؤلاء ، فداخلون تحت حكم الطبيعة ، فهم من جنس أفلاكها التي خلقوا منها ، وهم عمارها إلى أن ينتهي إلى ملائكة خلقت من العناصر إلى أن ينتهي إلى ما خلقت من أعمال العباد وأنفاسهم . قال تعالى :أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها[ البقرة : 31 ] ، وهذه الأداة لا تكون إلا من الأعلى إلى الأدنى . كما قال تعالى :أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ[ المائدة : 116 ] استفهام التقرير بما هو به عالم ؛ ليقيم الشهادة على نفسه بما ينطق به مع أنها ذات عيوب الغير ، وهي بعينها فيها ، ولم ترها في نفسها التي اتّصفت بها في الوقت شيئا ، وبعدها شيء من حيث لم يشعر ، فافهم . وقال الشيخ الأكبر رضي الله عنه : المنازعة هي المخالفة ، والمخالفة هي الخصام والخصام من الطبيعة ، ولا يكون إلا بين الضدين ، ومن هذه قالت ما قالت ورجّحت تدابيرا كونيّا على تدبير إلهي وهو من أكبر الفسادات مع أنه تعالى وصف نفسه الكريمة بأنه :يُدَبِّرُ الْأَمْرَ[ السجدة : 5 ] . وما وصف نفسه إلا أن يعرّف أنه ما يعمل شيئا إلا ما يقتضيه حكمة الوجود وأنه أنزله موضعه الذي لو لم ينزله فيه لم يوف الحكمة حقها ، وهو الذي أعطي كل شيء خلقه ، ثم هدى . قال رضي الله عنه : أي يبين أن اللّه تعالى أعطى كل شيء خلقه ، حتى لا يقول أحد ينبغي كذا ، يقتضي كذا . قال تعالى :إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ[ هود : 46 ] . قال رضي الله عنه من هذا المقام : إن اللّه عصمني من القهر ، فلم أنازع قط ، وكل مخالفة تبدوا مني كمنازع ، فهي تعليم لا نزاع ، فافهم . -