بين يديه صامتين ، كما يقفون بين يدي الملوك لفضل علمه قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ
[ البقرة : 30 ] .
أي : واذكر يا محمد :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
فلا يقال خليفة على الحقيقة إلا آدم ، كما تقدم .
ولداود لقوله تبارك وتعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
[ ص : 26 ] أي : تخلفني في تنفيذ أحكامي فيها ، وهو آدم قالوا - أي الملائكة -
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 30 ] « 1 » بالمعاصي ؟ أي - من بنيه -
وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[ البقرة : 30 ] ، أي : يريقها بالقتل .
كما كان بنو الجان ، وكانوا فيها ، فلما أفسدوا أرسل اللّه إليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال ،
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ،
أي : متلبسين
هامش
( 1 ) قال سيدي علي وفا :قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ[ البقرة : 30 ] ، فإن شئت ذلك فلك الأمر كله ،وَنَحْنُعبادكنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[ البقرة : 30 ] ، مع جعلك فيها ذلك ، فكيف وأنت لا تجعل فيها خليفة ، إما منك فيما تفعله من خلف حجاب سببيته ، وإما منا ونحن عبادك الذين فطرتهم على طاعتك ، وليس بخليفة إلا من قام بحكم مستخلفه .
فكلامهم هذا تفويض وتبرؤ من الاعتراض الذي أشعر به إخبارهم ، قبل إظهار المخبر به ، كما يفعل بمن توطّن على حصول ما لا يختاره ، فمن فهم من هذا الخطاب اعتراضا أو تعجّبا أو نحو هذا ، فليرجع عنه لما ذكرنا ، فهو أولى بحفظ حرمة المكرمين ، ويمكن أن يكونوا تعرضوا بذلك ؛ لأن يجعلوا جنود هذا الخليفة المنوّه بذكره ، ويؤذن لهم في النزول معه عن مصافهم السمائية إلى محل خلافته ، تعظيما لمن عظمه ربهم ، فكأنهم قالوا : ما ثمّ من يكون جندا له موجودا إلا الجن الشياطين ، وهم مفسدون سفّاك للدماء ،وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[ البقرة : 30 ] .
فتجعل أولئك جنده ، أو تجعلنا نحن جنده ،قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 30 ] ، فخلق له جنودا مضافة للفريقين .
وعلى كل تقدير فهم لم يصفوا خليفة ربهم بالإفساد وسفك الدماء ، وإنما وصفوا به من يتأتى ذلك منه ، وفي الخلافة كف إفساده ، وقطع الخصومة الحاصلة بسبب فعله ، وكيف يذموا من وقعوا له بأمر اللّه لهمساجِدِينَ ،وأنبأهم بأسمائهم التي بها صار لكلّ منهم مقام معلوم .