الباب الثاني في فضل العلم وكرامات العلماء والبله والمجذوبين
أعاد اللّه علينا وعلى المسلمين من بركاتهم أجمعين إنه هو البر الرحيم .
قال في روضة العلماء : من شرف العلم أن اللّه تعالى لما قال :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] طعنت الملائكة في آدم عليه السلام .
وفي ذريته حتى قالوا :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 30 ] « 1 » .
هامش
( 1 ) كان ينبغي لها السمع والطاعة ، فالتبست عليها صورة الإخبار بصورة الشهوة ، فما وفقت على حد الإطاعة والإنصات ، والانقياد حتى قالت ما قالت .
فإنه ما يعرف أحد من الحق إلا ما تعطيه ذاته تعريفا ، أو تجليا والمعرفة الإلهيّة للملائكة بالتعريف لا بالتجلّي كما اعترفوا بذلك ، وقالوا :لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا[ البقرة : 32 ] .
وقال الشيخ الأكبر : ( وليس للملائكة جمعية آدم ) أي : حتى يعلم مقتضى الذات ، فلهذا فاتها الانقياد الذاتي بخلاف الإنسان .
أما ترى أنه عبد الحجر ، والمدر ، والجماد وما ذلك إلا من المعرفة بالاقتضاء الذاتي ، والإدراك الذوقي ، وليس للملائكة تلك المعرفة الذاتية ، بل ما لها إلا تنزيه بحت ، فافهم .
والرب هو المصلح لغة ، فما وقفوا على مقصود الحق من خلق الخليقة ، ولو لم يكن الأمر كما وقع ؛ لتعطّلت من الحضرة الإلهية أسماء كثيرة لا يظهر لها حكم .
قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو لم تذنبوا لجاء اللّه بقوم يذنبون فيستغفرون ، فيغفر لهم » فنبّه فيه أن كل أمر في العالم إنما هو لإظهار حكم اسم إلهي ، وإذا كان هكذا الأمر : أي كما وقع فلم يبقى في الإمكان أبدع من هذا العالم ولا أكمل ، وفساده عين الصلاح ، وإفساده عين الإصلاح مع أن السفك يدل على الغلبة ، والعزّة التي لصاحب المرتبة ذي المنعة ، والقوة ، والشوكة .
قال تعالى :فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ[ الأعراف : 103 ] .
قالوا : الخلافة العامة والعزّة التامة ، حتى قيل فيهم :وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ[ المنافقين : 8 ] .
مع أن العزّة للّه ، فإن عزّتهم عزة الحق من مقام وحدة الوجود للّه جميعا ، فافهم الإشارة : أي إلى أنهم عين الحق .
ويستفاد من مجموع الآيتين ، فإن كنت من أهلها أقل من هذا يكفيك ، وإن لم تكن من أهلها ، فكل الموجود ولو كان لسانا ما يكفيك ، فافهم . -