العلماء أن العلوم كلها لا يبعد تحصيلها مع محبة الدنيا ، والإخلال بحقائق التقوى ، وربما كان محبة الدنيا عونا على اكتسابها ؛ لأن الاشتغال بها شاقّ على النفوس ، وجبلت النفوس على الجاه والرفعة إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم أجابت إلى محبة الكلف وسهر الليالي والصبر على الغربة والأسفار ، فتعذر الملاذ والشهوات ، وعلوم هؤلاء القوم - يعني الصوفية رضي اللّه عنهم - لا يحصل مع محبة الدنيا ولا ينكشف إلا بمجانبة الهوى ، ولا يدرس إلا في مدرسة التقوى قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ البقرة : 282 ] انتهى كلامه .
والدليل الثاني : إن فضل العلم على قدر انتفاع صاحبه ونفعه لغيره ، ولا شك أن العارفين باللّه تعالى هم الذين انتفعوا ونفعوا حقّا وصدقا ، وبيان انتفاعهم ونفعهم إذا بسطناه احتجنا إلى تصنيف كتب كثيرة ، ويكفي من ذلك نبذة يسيرة ، فيكفي من انتفاعهم تطهير قلوبهم ، وتزكية نفوسهم حتى امتلأت قلوبهم بمحبة اللّه سبحانه وتعالى ، فأقبلوا على اللّه تعالى وأعرضوا عمّا سوى اللّه وسلموا نفوسهم للّه ، ولم يختاروا غير ما اختار لهم اللّه ، وتلذذوا ببلاء اللّه وسكروا بمحبته وغابوا عمّا سواه ، وسكرنا نحن بمحبة الدنيا ، وغفلنا عن المولى سبحانه وتعالى ومع هذا يحكم علينا .
وأما نفعهم للغير فبهم يغيث اللّه تعالى العباد في جميع البلاد ، ويدفع بهم ، وإلا لفسدت الأرض لظهور الفساد ، ويوجد بهم إقامة الدين وقضاء حوائج المسلمين ، ويرشد بهم المريدين إلى السلوك في مقامات الدين ، والقرب من رب العالمين ، والبعد عن الغفلة والفسوق واستحواذ الشياطين ، وصدور النفع عنهم قد بلغ في الكثرة ، واشتهر مبلغا خارجا عن الحصر والتعداد مغنيا عن الاستدلال والاستشهاد ، ويكفي ما جاء عنهم من الحكايات بصحيح الروايات الصادرات عن العيان والمشاهدات المستفيضات في كثير من الجمعات .
أقول : وهؤلاء القوم الأئمة الكبار الأولياء بالأقطار أعين من صنف