إلى أن قال : اعلم أن العلماء إنما يشرّفون على قدر علومهم ، فشرف العلوم على قدر شرف متعلقاتها ، فعلوم المعارف المتعلقة باللّه تعالى وأسمائه وصفاته أشرف العلوم ، وأصحابها أشرف العلماء ، وبعدها علم الفقه ، لتعلقه بأحكام اللّه سبحانه وتعالى وشرعه الذي يتعبد به عباده .
واعلم أن جميع العلوم وسيلة إلى هذين العلمين المشتملين على معرفة اللّه سبحانه وتعالى ، ومعرفة عبادته ؛ لأن الخلق إنما خلقوا لمعرفة اللّه سبحانه وتعالى ومعرفة عبادته كما قال عز وجلّ :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ثم العبادة تفتقر إلى معرفة المعبود ومعرفة كيف يعبد .
وقول أحد المفسرين : « يعبدون » أي يعرفون ، فذلك يتضمن العبادة أيضا ؛ لأن من عرف اللّه تبارك وتعالى عرف وجوب طاعته وعبادته ، إذا علم هذا ، فاعلم أن معرفة كثير من العلوم وسيلة إلى معرفة علم الفقه ، ومعرفة الفقه وسيلة إلى معرفة العمل ، ومعرفة العمل وسيلة إلى العمل ، والعمل وسيلة إلى طاعة اللّه تعالى والقرب منه سبحانه ، وذلك هو المقصود ، فمن استعمل هذه الوسائل على وجهها المراد منها وصل إلى المقصود ، قطع بغاية المراد ، وعناية الشرف المحمود ، ومن جعل مقصوده بعض الوسائل كمن اتخذ علما ليماري به ويجادل واشتغل به عن المقصود فهو الجاهل ؛ لأن العالم في الحقيقة هو العامل .
فيا خسارة من باع منا آخرته بدنياه باذلا الجواهر بالنحاس !
ويا ويح من ضيع أوقاته وأنفاسه النفاس !
ويا خيبة من أفنى منا عمره في التشدق بكثرة الفضول والمراء والجدل خاليا عن خوف اللّه تعالى والعلم النافع والعمل !
ويا مصيبة من عدّ نفسه من جملة العلماء والصالحين أولي الرتب أولي الألباب ، وليس يدري أهو معدود منهم ، أو من المشبهين بالحمار والكلب في نص الكتاب ، القانعين من العلم بالقشر الخالي عن اللباب ، المعرضين عن اكتساب الخير ومتعرضين للمقت والعقاب !