نعوذ باللّه تعالى الكريم من مكره وسخطه وعذابه الأليم .
واعلم أن علوم المعارف التي ذكرت أنها أشرف العلوم ، وهي علوم لا تنال بالكسب ، وإنما تنال بالوهب ، فهي أفضل العلوم وأصحابها أفضل العلماء ، فإن كنت ممن ينكر ذلك وتقول : لا يسلم ، وما الدليل على ذلك ، وكيف صفة هذه تقوم ؟ فاعلم أنني وأنت ممن لم يلح له أنوار تلك الحضرة ، ولم نشرب من راح الهوى ، ولم يشم هنالك رائحة الخمرة ، وممن لم يكن لمشاهدة تلك المشاهدة حضر ، فيستغني بالغياب عن الخبر ، وممن يحق له أن يعظم أسفه ويطول وينشد طول دهره ما أقول : فيا أسفاه ! يا حسرتاه ! يا مصيبتاه ! ويا ضيعة الأعمار ! سوق المواسم كما لم يكن كالغير [ . . . . . . . . . « 1 » ] فاتنا كل المنى والمكارم ، ونموت ولم ننظر جمال جلاله ، ولم ندر طعم الحب مثل البهائم ، فلو شاهدت ذاك الجمال عيوننا سكرنا وغبنا عن جميع العوالم [ . . . . . . « 2 » ] من شراب محبة ، وباح بمكتوب الهوى كل هائم ، ويكشف حجاب عن عجائب قدره ونور وأسرار وطيب تنادم ، فما العيش إلا ذاك لا عيش غيره ، وليلى ولا سلمى ولا أم سالم ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء .
فأما ما طلبت من الدليل فأقول وباللّه تعالى التوفيق ، وهو حسبي ونعم الوكيل : الأدلة عن ذلك كثيرة ، واقتصر منها على ستة : ثلاثة من المعقول ، وثلاثة من المنقول .
الدليل الأول من المعقول : إن العلوم والمعارف اللدنية نخص بها الولي والصدّيق ، والعلوم الظاهرة ينالها الصالح والزنديق .
قال الإمام شيخ الإسلام أستاذ الطريقة الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة السيد الجليل الإمام العارف باللّه تعالى شهاب الدين السهروردي - قدس اللّه تعالى روحه - في كتاب « العوارف » : وننبئك عن شرف علم الصوفية وزهاد
هامش
( 1 ) ما بين [ ] غير واضح بالأصل .
( 2 ) ما بين [ ] غير واضح بالأصل .