أترقب حاجة له ، فخرج من داره ليلة فناولته إبريقا فلم يأخذه ، وقصد الباب باب المدرسة ، فانفتح له الباب فخرج وخرجت خلفه ، ومشى إلى أن قرب باب بغداد فافتتح له الباب فخرج وخرجت معه ، ثم عاد الباب مغلقا ، ومشى غير بعيد ، فإذا نحن في بلد لا أعرفه فدخل فيه مكانا شبيها بالرباط ، وإذا فيه ستة نفر فبادروا إلى السلام عليه ، والتجأت إلى مسامرته هناك ، وسمعت من ذلك المكان أنينا فلم يلبث إلا يسيرا حتى سكت الأنين ودخل رجل ، وذهب إلى الجهة التي فيها الأنين ثم خرج يحمل شخصا على عاتقه ، ودخل آخر مكشوف الرأس طويل شعر الشارب ، وجلس بين يدي الشيخ فأخذ عليه الشيخ الشهادتين ، وقص شعر رأسه وشاربه فألبسه طاقية وسماه محمدا ، وقال لأولئك النفر : قد أمرت أن يكون هذا بدلا عن الميت ، قالوا : سمعا وطاعة ، ثم خرج الشيخ وتركهم وخرجت خلفه ومشينا غير بعيد ، وإذا نحن عند باب بغداد فانفتح كأول مرة ، ثم أتى إلى باب المدرسة ، فانفتح بابها أيضا ، ودخل داره فلما كان الغد جلست بين يديه أقرأ على عادتي ، فلم أستطع من هيبته فقال : أي بني ، اقرأ ولا عليك ، فأقسمت عليه أن يبين لي ما رأيت فقال : أما البلد فنهاوند .
وأما الستة فهم الأبدال ، وصاحب الأنين سابعهم ، وكان مريضا فلما حضرت وفاته جئت أحضره ، وأما الرجل الذي خرج حامل الشخص فأبو العباس الخضر عليه السلام ذهب به ليتولى أمره ، وأما الرجل الذي أخذت عليه الشهادتين ، فرجل من أهل القسطنطينية كان نصرانيا وأمرت أن يكون بدلا عن المتوفى ، فأوتي به وأسلم بين يدي وهو الآن منهم وأخذ عليّ ألا أحدث بذلك وهو حي انتهى .
إلى أن قال : وقد قيل في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
[ الحجر : 75 ] أي للمتفرسين .
وفي الحديث الشريف عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه « 1 » » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 298 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 102 ) ، وفي الأوسط ( 8 / 23 ) .