على الشيخ أبي يعقوب يوسف بن أيوب الهمداني ، وكان يومئذ قد ورد إلى بغداد ، والشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن شعيب الكردي ، وكان مقيما ببغداد وكانا رضي الله عنه من ذوي الكشف الخارق والأحوال الفاخرة ، وقالوا له : أمهلناك في بيان ذلك على لسانهما جمعة ، فقال لهم : بل ما تقومون من مقامكم هذا حتى يتحقق لكم هذا الأمر فأطرق وأطرقوا فصاح الفقراء من خارج المدرسة ، وإذا الشيخ يوسف قد جاء حافيا يشد في عروة حتى دخل المدرسة ، وقال : أشهدني اللّه عز وجلّ هذه الساعة الشيخ حماد ، وقال لي : يا يوسف أسرع إلى مدرسة الشيخ عبد القادر ، وقل للمشايخ الذين فيها : صدق الشيخ عبد القادر فيما أخبر به عني ، فلم يتم كلام الشيخ يوسف حتى جاء الشيخ عبد الرحمن ، وقال : مثل قول الشيخ يوسف فقام المشايخ كلهم يستغفرون للشيخ عبد القادر رضي الله عنه أجمعين انتهى .
أقول : ولا يشك أحد في هذا أيضا من أوجه :
الأول : كون الشيخ كاشف على مرادهم وهو ليس بمستحيل ، وتقدم أن اللّه تعالى يطلع أولياءه على بعض أسراره ، والشيخ عبد القادر رضي الله عنه أهل لذلك .
والثاني : كون الشيخ عبد القادر قال لهم : ما تقومون حتى يتحقق لكم هذا الأمر ، فهذا على القول الثاني مما تقدم ذكره أن الولي يقدر على إظهار الكرامة ، وكون الشيخ أطرق وأطرقوا فإنه كلما سأل اللّه تعالى في تحقيق المقال ، وقد أبر اللّه تعالى قسمه في ساعته كما أراد ، وهذا داخل في الحديث الشريف :
« لو أقسم على اللّه لأبره » ، ومصداق الحديث إبرارهم بما ذكر الثالث كون الشيخ حماد يقول للشيخين : اذهبا لزاوية الشيخ عبد القادر إلى آخره .
فقد تقدم لك ما ثبت أن الميت يعلمه اللّه تعالى بما يقع من الأحياء ، فلما أراد اللّه تعالى أعلمه بالقصة ، وأنطقه ليقول لهما ما هو المقصود ، وكل ذلك كرامة من اللّه الكريم لأوليائه الصالحين - نفعنا اللّه تعالى بهم أجمعين - .
[ الثالث في انفلاق البحر وجفافه ]
قال الشيخ : النوع الثالث ، انفلاق البحر وجفافه : من ذلك ما روي في بعض « التصانيف » أنه مات أحد الفقراء في سفينته .