المعتزلة على منع ذلك ، والأستاذ أبو إسحاق رضي الله عنه يميل إلى قريب مذاهبهم ثم يجوز الكرامات صائرون إلى أن شرط الكرامة الخارقة للعادة أن يجري من غير إيثار واختيار من الولي ، وصار هؤلاء إلى أن الكرامة تفارق المعجزة من هذا الوجه ، وهذا صحيح لما سنذكره وصار صائرون إلى تجويز وقوع الكرامة على حكم الاختيار ، ولكنهم منعوا وقوعها على قضية الدعوى .
وقالوا : « لو ادعّى الولي الولاية ، واعتقد في إثبات دعواه بما خرق العادة ، فإن ذلك ممنوع ، وهؤلاء يعدون ذلك مميزا بين الكرامة والمعجزة ، وهذه الطريقة غير مرضية أيضا ، ولا يمنع عندنا ظهور خوارق العوائد مع الدعوى المفروضة ، وصار بعض أصحابنا إلى أن وقع معجزة لنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي ، فيمتنع عند هؤلاء أن يتعلق البحر وتنقلب العصا ثعبانا ويحيي الموتى كرامة لولي إلى غير ذلك من آيات الأنبياء ، وهذه الطريقة غير سديدة أيضا ، والمرضي عندنا تجويز جملة خوارق العوائد في معارض الكرامات » هذا نصه بحروفه .
ثم قال بعد ذلك : فإن قيل ما دليلكم على جوازها ؟ يعني الكرامة .
قلنا : ما من أمر يخرق العوائد إلا وهو مقدور ، والرب سبحانه وتعالى ابتداء ، ولا يمنع وقوع شيء لتقبيح عقلي لما مهدناه فيما سبق ، وليس في وقوع الكرامة ما يقدح في المعجزة ، فإن المعجزة لا تدل بعينها ، وإنما تدل لتعلقها بدعوى النبي ، ونزولها منزلة التصديق ، والملك بالمقول به الذي يصدق مدعي الرسالة بما يوافقه ويطابق دعواه لا يمتنع أن يصدر منه مثله إكراما لبعض أوليائه ، ولا يقدح مرام الإكرام في قصد التصديق إذا أراد التصديق والإحقاق بذلك على من تأمل انتهى كلامه .
قلت : ولا يخفى على من له إدراك ما جمع كلامه الأول ، والثاني من الحسن والتحقيق والبلاغة .
ثم ذكر بعد ذلك أن الكرامة والمعجزة ليس بينهما فرق إلا وقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة ، والكرامة دون دعوى النبوة - كما سيأتي في الفصل
جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال — صفحة 110
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١١٠