الثالث إن شاء اللّه تعالى ، وهذا الذي ذهب إليه من يجوز خوارق العادة في الكرامات كالمعجزات وكونهما لا يفترقان إلا في تحدي النبوة هو الذي ذهب إليه أئمة الأصول المحققون المعتمدون المشهورون .
قال الإمام أوحد وقته القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه فيما صنف مما روي عند العلماء - رضي اللّه عنهم - وروينا عنهم أن المعجزات تختص بالأنبياء ، والكرامات تكون للأولياء ، ولا تكون للأولياء معجزة ؛ لأن من شرط المعجزة اقتران دعوى النبوة بها ، والولي لا يدعي النبوة ، فالذي يظهر عليه لا يكون معجزة .
[ تميز الكرامة من المعجزة ]
وقال الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه في كتابه « المحصل » : ثم تتميز الكرامة من المعجزة بتحدّي النبوة .
وقال الإمام ناصر الدين البيضاوي رضي الله عنه في كتابه المصباح : « الكرامات جائزة خلافا للمعتزلة ، وتتميز عن المعجزة بعدم التحدي » .
وقال الإمام حافظ الدين النسفي رضي الله عنه في « عقيدته » : وكرامات الأولياء جائزة خلافا للمعتزلة للمشهور من الأخبار ، والمستفيض من حكايات الأخبار .
تنبيه : انظر إلى قول الإمام النسفي - رحمه اللّه تعالى - : والمستفيض من الحكايات . . إلى آخره ، فبهذا العلم أنهم اعتمدوا حكاياتهم ، وأثبتوا بها كرامات الأولياء لكثرة اجتماع هذه السادات الرّاوين لتلك الحكايات ممن لا يشك في أقوالهم ، ويقين بواطنهم على الكذب ، فصارت الأحكام تثبت بها كما ثبتت بالدلائل المشهورة المتواترة لم يبينوا ، وناهيك بالإمام النسفي وغيره من الأئمة المتقدمين أئمة الأصول لا تمنح حكما إلا إذا صح عندهم دليله وإلا تركوه ، وتكلموا في راوية حين ذكرت في الأحاديث الشريفة ، وهذا معلوم لكل عارف مطلع يتبع كتبهم ، فلو لا أن رواة هذه الأخبار والحكايات ثقات لما أخذوا عنهم ، ولما دنوا بذلك كتبهم إذا علمت هذا تكفيك الحكايات المرويات عن هؤلاء السادة على ثبوت الكرامات في الحياة والممات .