كان معجبا برأيه وجهله ، فإنه لا يصغي إلى العارف ويتهمه ، وقد سلط اللّه عليه بلية مهلكة وهو يظنها نعمة ، وكيف يمكن الهرب ممّا هو سبب سعادته في اعتقاده .
وإنما علاجه في الجملة أن يكون متّهما لرأيه أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب اللّه العزيز أو سنّة رسوله ( ص ) أو دليل عقليّ صحيح جامع لشروط الأدلة ، ولن يعرف الانسان أدلة الشّرع والعقل وشروطها ومكان الغلط فيها إلا بقريحة تامّة وعقل ثابت وجدّ وتشمير في الطلب وممارسة الكتاب والسنة ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ، ومع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور .
والصّواب لمن لم يتفرغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب ولا يصغي إليها ولا يسمعها ولكن يعتقد أن اللّه واحد لا شريك له ، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأنّ رسوله صادق فيما أخبره به ويتبع أئمة الهدى من أهل بيت النبي صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم ، ويؤمن بجملة ما جاء به الكتاب والسنة من غير بحث وتفتيش ويشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي والشفقة على المسلمين وساير الأعمال المرضية .
الفصل التاسع علاج العجب
ولما كان علاج كل علّة بمقابلة سببها بضده ، وعلّة العجب الجهل المحض فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط ، فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد كالعبادات ، فان العجب بهذا أغلب من العجب بالجمال والقوة والنسب وما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه فنقول :
الورع والتقوى والعبادة والعمل الذي به يعجب إما أن يكون يعجب به من حيث إنه فيه وهو محلّه ومجراه ، أو من حيث إنه منه وبسببه وقدرته وقوته ، فإن كان الأوّل فهو جهل لان المحل مسخر وانما يجري فيه وعليه من جهة غيره لا مدخل له في الايجاد والتحصيل فكيف يعجب بما ليس إليه ، وإن كان الثاني فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وساير الأسباب التي تمّ بها عمله أنها من أين كانت له فإن كان علم أن جميع ذلك نعمة من اللّه إليه من غير حقّ سبق له ومن غير وسيلة يدلى بها فينبغي أن يكون إعجابه بجود اللّه تعالى وكرمه وفضله إذ أفاض عليه مالا يستحقه وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة فان قال وفقني للعبادة لحبي له