الفصل السادس في العجب
وأمّا العجب فهو إعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم فإن كان خائفا على زوالها مشفقا على تكدّرها ، أو يكون فرحه بها من حيث إنّه من اللّه من دون إضافتها إلى نفسه فليس بمعجب ، فان أضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه ان له عند اللّه حقّا وأنّه منه بمكان ويستبعد أن يجري عليه مكروه سمي إدلالا بالعمل ، فكأنه يرى لنفسه على اللّه دالة ، وكذلك قد يعطي غيره شيئا فيستعظمه ويمنّ عليه ، فيكون معجبا فان استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلّفه عن قضاء حقوقه كان مدلا عليه قال اللّه تعالى في معرض الانكار :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
« 1 » وقال عزّ وجلّ :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
« 2 » وقال تعالى :
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
« 3 » وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل ، وقد يعجب الانسان بعمل هو مخطىء فيه كما يعجب بعمل هو مصيب فيه قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
« 4 » وقال النبي ( ص ) : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، واعجاب المرء بنفسه » « 5 » وقال ( ص ) : « إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك » « 6 » وقال ( ص ) : « لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب » « 7 » .
وقال الصّادق ( ع ) : « إنّ اللّه تعالى علم أنّ الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب أبدا » « 8 » وقال « ان الرجل ليذنب الذّنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسرّه ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلان يكون على حاله تلك خير له ممّا دخل فيه » « 9 » وعنه ( ع ) قال : « اتى عالم عابدا فقال له : كيف صلاتك ؟ فقال : مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد اللّه منذ كذا وكذا قال : وكيف بكاؤك ؟ قال : أبكي حتّى تجري دموعي فقال العالم إن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدلّ إن المدلّ لا يصعد من عمله شيء » « 10 » .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : آية 25
( 2 ) سورة الحشر : آية 2
( 3 ) سورة الكهف : آية 104
( 4 ) سورة فاطر : آية 8
( 5 ) العوالي : ج 1 ص 273 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 344
( 6 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 344
( 7 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 345 .
( 8 ) الكافي : ج 2 ص 313 والاختصاص : ص 242
( 9 ) الكافي : ج 2 ص 313
( 10 ) الكافي : ج 2 ص 313