المقالة الثالثة في ذم الدّنيا والاغترار بها وفيها خمسة أبواب
الباب الأول في معرفة الدنيا والآخرة
في معرفة الدّنيا والآخرة فنقول : دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قليلك ، والقريب الداني منها يسمى دنيا وهي كل ما قبل الموت ، والمتراخي المتأخّر يسمى آخرة وهي ما بعد الموت ، فكلّ ما لك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلّا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظّ فليس بمذموم .
وذلك لأن ما يصحبك في الدّنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت وهو العلم النّافع والعمل الصّالح فهو من الآخرة في الحقيقة وانما يسمى بالدّنيا باعتبار دنوه ، فان العالم قد يأنس بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده ، فيهجر النّوم والمنكح والمطعم في لذته ، لأنه أشهى عنده من جميعها ، فقد صار حظا عاجلا في الدنيا ، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا منها أصلا ، بل قلنا إنه من الآخرة .
وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذها بحيث لو منع عنها لكان ذلك أعظم العقوبات عليه حتى قال بعضهم : ما أخاف من الموت إلّا من حيث إنّه يحول بيني وبين قيام الليل بل نقول : إن من جملة العمل الصّالح الذي هو من الآخرة التعرض للرّزق .
قال النبيّ ( ص ) : « العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال » « 1 » وقال ( ص ) : « ملعون من ألقى كلّه على الناس » « 2 » .
وقال أمير المؤمنين ( ع ) « أوحى اللّه تعالى إلى داود أنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت
هامش
( 1 ) تحف العقول : ص 32
( 2 ) تحف العقول : ص 32