فيقال : ومن خلق الحب في قلبك ؟ فسيقول : هو فيقال : فالحبّ والعبادة كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك إذ لا وسيلة لك ولا علاقة فيكون الاعجاب بجوده إذ أنعم بوجودك وبوجود صفاتك وبوجود أعمالك وأسباب أعمالك فاذن لا معنى لعجب العابد بعبادته وعجب العالم بعلمه وعجب الجميل بجماله وعجب الغني بغناه ؛ لأن كل ذلك من فضل اللّه وإنما هو محلّ لفيضان فضل اللّه وجوده ، والمحل أيضا من فضله وجوده فانّه هو الذي خلقك وخلق أعضاءك وخلق فيها القوة والقدرة والصّحة وخلق لك العقل والعلم والإرادة ، ولو أردت أن تنفي شيئا من ذلك عن نفسك لم تقدر عليه .
ثم خلق الحركات في أعضائك مستبدا باختراعه من غير مشاركة له من جهتك معه في الاختراع إلا أنه خلقها على ترتيب فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوة وفي القلب إرادة ، ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد ، ولم يخلق العلم ما لم يخلق القلب الذي هو محل العلم ، فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل إليك أنّك أوجدت علمك ، وقد غلطت فان تحريك البواعث وصرف العوائق وتهيئة الأسباب كلها من اللّه تعالى ليس شيء منها إليك .
ومن العجائب أن تعجب بنفسك ولا تعجب بمن إليه الأمر كله ، ولا تعجب بجوده وفضله وكرمه في إيثاره إيّاك على الفسّاق من عباده ، إذ مكنهم من أسباب الشهوات واللذات وزواها عنك ، وصرف عنهم بواعث الخير ودواعيه وسلطها عليك حتّى تيسّر لك وتيسّر لهم الشرّ ، فعل ذلك كله بك وبهم من غير وسيلة سابقة منك ولا جريمة سابقة منهم .
روي أن أيوب على نبّينا وآله وعليه السلام قال : « الهي انك ابتليتني بهذا البلاء وما ورد على أمر إلا آثرت هواك على هواي ، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت : يا أيوب أنى لك ذلك ؟ قال : فأخذ رمادا فوضعه على رأسه فقال : منك يا رب فرجع عن نسيانه وأضاف ذلك إلى اللّه تعالى :
ولهذا قال اللّه تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
« 1 » وقال ( ص ) : « ما منكم من أحد ينجيه عمله قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ، قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » « 2 » .
فإذن هذا هو العلاج القاطع لمادة العجب من القلب ، ومهما غلب ذلك على القلب شغله خوف سلب هذه النعمة عن الاعجاب بها .
هامش
( 1 ) سورة النور : آية 21
( 2 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 349