اختطف فهو عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا من غيره ، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ، وأنى يليق الكبر به لولا جهله ، فهذا وسط أحواله فليتأمل .
وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله :
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
« 1 » فيصير جيفة منتنة قذرة ، ثمّ تبلى أعضاؤه وصورته ، وتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه فتصير رميما رفاتا ثمّ يصير روثا في أجواف الدّيدان ، يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان ، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمر به البنيان ، فما أحسنه لو ترك ترابا بل يحيى بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء ممزّقة مشققة ، وأرض مبدلة ، وجبال مسيرة ، ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسّر ، ويرى صحايف منشورة كتب فيها ما نطق به وعمل من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وهو معنى قوله عزّ وجلّ :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
« 2 » فما لمن هذا حاله والتكبر ، بل ما له وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر .
وأمّا العلاج العملي فهو التواضع بالفعل للّه تعالى ، ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين .
فقد ورد أن رسول اللّه ( ص ) : « كان يأكل على الأرض ويقول : إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد » « 3 » .
وقيل لسلمان : لم لا تلبس جيّدا ؟ فقال : إنما أنا عبد فإذا أعتقت يوما لبست أشار به إلى العتق في الآخرة ، وللمتواضع امتحانات يعرف لها تواضعه فلا بد أن يمتحن نفسه بها حتى يطمئن بأنه متواضع ، فإنه قد يضمر التّواضع ويدعي البراءة من الكبر فإذا وقعت الواقعة عادت النّفس إلى طبعها ، ونسيت وعدها ، ثم المحمود أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسر ، فان كلا طرفي الأمور ذميم ، وأحبّ الأمور إلى اللّه أوسطها ، وهو أن يعطى كلّ ذي حقّ حقّه وهو العدل .
هامش
( 1 ) سورة عبس آية 21 .
( 2 ) سورة عبس آية 22 .
( 3 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 336