تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
يكون أقوى من حمار أو فيل أو جمل أو بقر ، وأي افتخار في صفة تسبقه البهايم فيها . وأما التكبّر بالغنى وكثرة المال والاتباع فذلك تكبر بمعنى خارج من ذات الانسان ، لا كالجمال والقوة والعمل ، وهذا أقبح أنواع التكبر ، فأفّ لشرف يسبقه اليهود ، وأفّ لشرف يأخذه السّارق والمتكبر بتمكن السّلطان بناء امره على قلب هو اشدّ غليانا من القدر فان تغير عليه كان أذل الخلق وكلّ متكبر بأمر خارج من ذاته فهو ظاهر الجهل .

الفصل الخامس الشفاء من الكبر

اعلم أنه لا يتم الشفاء من الكبر إلا باستئصال أصله من سنخه وقلع شجرته من مغرسه في القلب وذلك بان يعرف ربه وأنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا به ، وأن يعرف نفسه حقّ المعرفة ليعلم أنّه بذاته أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل ، ولا يليق به إلا التواضع والذّل والمهانة وتكفيه آية واحدة من كتاب اللّه عزّ وجلّ ان فتحت بصيرته ، قال اللّه تعالى :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ، فَقَدَّرَهُ ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ، ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
« 1 » نعم لو أكمله وفوض إليه الأمر وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى وينسى المبدء والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطبايع المتضادة ، من المرة والبلغم والرّيح والدّم ليهدم البعض من اجزائه البعض شاء أم أبى ، رضى أم سخط . فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرّا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيحول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء ويكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته وتفلج أعضائه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، وهو مضطر ذليل إن ترك ، وإن
هامش
( 1 ) سورة عبس : الآية 17 - 22 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 94 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى