أن يتكبّر بحال من الأحوال ، نعم إذا غلبه الخوف رأى كل أحد خيرا من نفسه ، وذلك هو الفضيلة قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
« 1 » ، أي يؤتون بالطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها .
ومن يعتريه الكبر من جهة النسب فليداو قلبه بمعرفة أمرين أحدهما أن هذا جهل من حيث تعززه بكمال غيره ولذلك قيل :
لان فخرت بآباء ذوي شرف * لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
والمتكبّر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته كمال غيره ، بل لو كان الذي ينسب إليه حيّا لكان أن يقول الفضل لي ومن أنت إنّما أنت دودة خلقت من فضلتي والثاني أن يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أباه وجدّه ، فان أباه القريب نطفة قذرة وجدّه البعيد تراب ذليل ، وعرف اللّه نسبه فقال :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
« 2 » وأما الكبر بالجمال فدواؤه ان ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ليرى من الفضايح ما يكدر عليه التعزّز بجماله ، فإنه وكل به الأقذار في جميع أجزائه : الرّجيع في أمعائه ، والبول في مثانته ، والمخاط في أنفه ، والبصاق في فيه ، والوسخ في اذنه ، والدم في عروقه ، والصّديد تحت بشرته ، والصنان « 3 » تحت إبطه ، يغسل الغايط كل يوم دفعة أو دفعتين بيده ، يتردّد إلى الخلاء كل يوم مرّة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا أن يمسّه أو يشمه ، وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصّور ، من النطفة ودم الحيض ، وخرج من مجرى البول إلى الرحم مفيض دم الحيض ثم مجرى القذر ، ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهده بالتنظيف والغسل لثارت منه الانتان والأقذار ، وسيموت فيصير جيفة اقذر من جميع الأقذار .
وأما التكبر بالقوة ، فيمنعه من ذلك أن يعلم ما سلّط عليه من العلل والأمراض وأنّه لو توجّع عرق واحد من بدنه لصار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل ، وأنه لو سلبه الذّباب شيئا لم يستنقذه منه ، وأن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في اذنه لقتله ، وان شوكة لو دخلت رجله لأعجزته ؛ وأن حمى يوم تحلّل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة ، ثم إنّ أقوى انسان لا
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : آية 60
( 2 ) سورة السجدة : آية 7 و 8
( 3 ) الصنان ؛ ذفر الإبط بالخصوص ، ورائحة معاطن الجسد إذا تغيرت ؛ ومنه الحديث نعم البيت الحمام يذهب بالصنة .