والتكبر بالعلم له سببان : أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس بعلم حقيقي والثاني أن يخوض في العلم وهو خبيث النفس ردي الأخلاق لم يهذب نفسه أولا ولم يزكها بالمجاهدات ولم يروض نفسه في عبادة ربه ، فبقي خبيث الجوهر فإذا خاض في العلم أي علم كان ، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره .
وعلاجه أن يعلم أن الكبر لا يليق إلا باللّه تعالى وحده ، وأنه إذا تكبر صار ممقوتا عند اللّه بغيضا ، وقد أحب اللّه منه أن يتواضع فلا بد أن يكلف نفسه ما يحب مولاه وأن يعلم أن حجة اللّه على أهل العلم أوكد وأنه يحتمل من الجهل ما لا يحتمل عشره من العالم ، وأنه من عصى اللّه من معرفة وعلم فجنايته أفحش إذ لم يقض حق نعمة اللّه عليه في العلم .
ولذلك قال رسول اللّه ( ص ) : « يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فيندلق اقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيطيف به أهل النار فيقولون مالك ؟ فيقول : كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهى عن الشر وآتيه » « 1 » ، وقد مثل اللّه علماء اليهود بالحمار « 2 » ، وبلعم بن باعورا بالكلب « 3 » ، وقال عيسى بن مريم : « ويل للعلماء السّوء كيف يتلظى عليهم النار » « 4 » وقال الصادق ( ع ) : « يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد » « 5 » .
وعلى العابد الورع أن يعلم أنّ من يتقدّم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبر عليه لما عرف من فضيلة العلم وكما أن العلم يمكن أن يكون حجة على العالم ، يمكن أن يكون وسيلة له وكفارة لذنوبه إن الحسنات يذهبن السّيئآت ، وأمر غير العالم في حقه مستور وإنما المدار على الخاتمة فعليه إن رأى من هو شرّ منه أن يقول : لعلّ هذا ينجو وأهلك أنا ، فلا يراه شرّا منه خائفا من العاقبة ، ويقول : لعلّ برّ هذا باطن فذلك خير له ولا أدري لعلّ فيه خلق كريم بينه وبين اللّه عز وجلّ فيرحمه ويتوب عليه ، ويختم له بأحسن الأعمال وبرّي ظاهر وذلك شرّ لي لا امن فيما اظهر من الطاعة أن يكون دخلتها الآفات فاحبطتها .
وبالجملة من جوز ان يكون عند اللّه شقيّا وقد سبق القضاء الأزلي بشقوته فما له سبيل إلى
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 339
( 2 ) - حيث قال : مثل الذين حملو التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا .
( 3 ) - في قوله تعالى :فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْالخ .
( 4 ) - الكافي : ج 1 ص 47
( 5 ) الكافي : ج 1 ص 47