فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ويندفع أيضا بحسن الظن باللّه ، وهو أن يرى أن الكل من اللّه تعالى وأن اللّه لا يقدر له إلا بما فيه الخيرة ، وربّما تكون الخيرة في جوعه ومرضه وجرحه وقتله فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد ، لأنه يرى أن الخيرة فيه .
فنقول : إنّ هذا على هذا الوجه غير محال ، ولكن غلبة التوحيد على هذا الوجه إنما يكون كالبرق الخاطف لا يدوم ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسايط رجوعا طبيعيا لا يندفع عنه ، ولو تصور ذلك على الدّوام لبشر لتصور رسول اللّه ( ص ) .
وعن أمير المؤمنين ( ع ) قال : « كان النبي ( ص ) لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم يعرفه أحد ولم يقم على غضبه شيء حتّى ينتصر له » « 1 » ، فكان يغضب على الحق وإن كان غضبه للّه فهو التفات إلى الوسايط على الجملة بل كل من غضب على من يأخذه ضرورة قوته وحاجته التي لا بد له في دينه منها ، فإنما غضب للّه فلا يمكن الانفكاك عنه نعم قد يفقد أصل الغيظ فيما هو ضروري إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه ، فلا يكون في القلب متّسع للغضب ، لاشتغاله بغيره ، فان اشتغل القلب ببعض المهمّات يمنع الاحساس بما عداه .
وهذا كما أن سلمان ( رض ) لما شتم قال : إن خفت موازيني فأنا شرّ ممّا تقول ، وإن ثقلت موازيني لم يضرّني ما تقول ، فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم ، فإذا يتصور فقد الغيظ إما باشتغال القلب بمهمّ ، أو بغلبة نظر التوحيد ، أو بسبب ثالث وهو أن يعلم أن اللّه يحب منه أن لا يغتاظ فيطفي شدة حبّه للّه غيظه ، وذلك غير محال في أحوال نادرة .
الفصل الثاني علاج الغضب
قد ثبت أن علاج كل علة بحسم مادتها وإزالة أسبابها ، والأسباب المهيجة للغضب هي :
الزهو « 2 » ، والعجب والفخر ، والهزل ، والهزء « 3 » والذل ، والتعيير ، والمماراة ، والمضادة ،
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الشمائل .
( 2 ) الزهو ؛ الكبر والفخر ومنه حديث الشيعة لولا أن يدخل الناس زهو لسلمت عليكم الملائكة قبلا .
( 3 ) هزل في كلامه من باب ضرب ؛ مزح وهو ضدّ الجد قال تعالىوَما هُوَ بِالْهَزْلِ. والهزؤ : السخرية والاستخفاف قال تعالى :لا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.