تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
والعزم على إفشاء السّر وهتك الاستار وغير ذلك من القبايح فهذه ثمرة الغضب المفرط وينبغي لصاحبه أن يعالج نفسه من سورة الغضب ويقف على الوسط الحقّ بين الطرفين فهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشّعر وأحدّ من السّيف ، فان عجز فليطلب القرب منه قال اللّه تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
« 1 » فليس كل من عجز عن الاتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشّر كلّه ، ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض .

الفصل الأول دوافع الغضب

اعلم الانسان ما دام يحبّ ما يوافقه ويحتاج إليه ويكره ما يخالفه ويتأذى منه فلا يخلو عن الغيظ والغضب بجبلة طبعه فإنه مهما اخذ منه محبوبه أو قصد بمكروه غضب لا محالة ، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص وإنما المحبوب الضروري لكل أحد ما أشار إليه رسول اللّه ( ص ) بقوله : « من أصبح آمنا في سر به معافا في بدنه ، وله قوت يومه ، فكأنما خيّرت « حيزت خ » له الدنيا بحذافيرها » « 2 » . فمن كان بصيرا بحقايق الأمور وسلمت له هذه الثلاث وكل ما كان ضروريا له خاصّة يتصور أن لا يغضب في غيرها أعني يقدر على أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع ويستحسنه العقل ، وذلك بالمجاهدة وتكلف التحلم والاحتمال مدّة حتّى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا فاما قمع أصل الغيظ من القلب وذلك مقتضى الطبع فهو غير ممكن ، نعم يمكن كسر سورته وتضعيفه حتّى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جدّا . إن قيل : إنما الواجب التألم بفوات المحتاج اليه دون الغضب ، فمن له شاة مثلا وهي قوته فماتت فلا يغضب على أحد وإن كان يحصل فيه كراهة وليس من ضرورة كل كراهة غضب فان الانسان يتألم بالفصد والحجامة ولا يغضب على الفصاد والحجام ، فمن غلب عليه التوحيد حتّى يرى الأشياء كلها من اللّه تعالى فلا يغضب على أحد من خلقه ، إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته كالقلم في يد الكاتب ، ومن وقع عليه ملك يضرب رقبته لم يغضب على القلم
هامش
( 1 ) سورة النساء : آية 129 . ( 2 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 161 وأمالي الطوسي : ص 599 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 76 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى