والخور والسّكون عند مشاهدة المنكرات ، وقد وصف اللّه تعالى خيار الصحابة بالشدة والحمية فقال :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 1 » وقال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
« 2 » وإنما الشدة والغلظة من آثار قوة الغضب .
وأما الافراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتّى تخرج من سياسة العقل والدين وطاعتهما فلا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكر ولا اختيار ، وسبب غلبتها قد يكون فطريا ، وقد يكون اعتياديا بأن يخالط قوما يتبجحون « 3 » بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية فيقول أحدهم : أنا الذي لا أصبر على المحال ولا احتمل من أحد أمرا ومعناه لا عقل لي ثم يذكره في معرض الفخر بجهله فمن سمعه فيرسخ في نفسه حسن الغضب وحبّ التشبّه بالقوم فيعمى ويصم عن كل موعظة ولا يقدر الاستضاءة بنور عقله لانطفائه بدخان الغضب .
ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللّون وشدّة الرّعدة في الأطراف وخروج الافعال من الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتّى يظهر الزبد على الاشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته ليسكن غضبه حياء من قبح صورته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره ، فان الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فهذا أثره في الجسد .
وأما اثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش وقبح الكلام الذي يستحيي منه ذوو العقول ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ .
وأما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجّم والتمزيق والقتل عند التمكن من غير مبالاة فان هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فيمزّق ثوب نفسه ويلطم وجهه وقد يعدو عدو الواله السكران والمدهوش المتحير ؛ وربّما سقط سريعا لا يطيق العدو والنهوض لشدة الغضب ويعتريه شبه الغشية ، وربما يضرب الجمادات والحيوان فيضرب القصعة على الأرض ويكسر المائدة إذا غضب عليهما وقد يتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجماد ويخاطبهما ويقول : إلى متى منك كأنه يخاطب عاقلا .
وأما أثره في القلب فالحقد والحسد واظهار السوء والشماتة بالمساءة والحزن بالسرور
هامش
( 1 ) سورة الفتح : اية 29 .
( 2 ) سورة التوبة : آية 73 وسورة التحريم : آية 9 .
( 3 ) تبجح بتقديم المعجمة المشددة على المهملة : افتخر وتعظم وباهى .