بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسر إليهم من مكنونات علمه ومخزونات وحيه غير الكلام ، وكذلك بين الرّسل والأمم فثبت بهذا أنه أفضل الوسايل والطف العبادة ، وكذلك لا معصية اثقل على العبد وأسرع عقوبة عند اللّه وأشدّها ملامة وأعجلها سامة عند الخلق منه .
وسئل السجاد ( ع ) عن الكلام والسّكوت أيهما أفضل ؟ فقال : « لكل واحد منهما آفات فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السّكوت قيل : وكيف ذلك يا بن رسول اللّه ؟ قال : لأن اللّه عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسّكوت إنما بعثهم بالكلام ، ولا استحقت الجنة بالسّكوت ، ولا استوجبت ولاية اللّه بالسّكوت ولا توقيت النار بالسّكوت ، ولا يجنب سخط اللّه بالسّكوت إنما ذلك كله بالكلام ما كنت لأعدل القمر بالشمس إنك تصف فضل السكوت بالكلام ، ولست تصف فضل الكلام بالسّكوت » « 1 » .
اعلم أن آفات اللسان كثيرة منها الخطاء والكذب والغيبة الغير المأذون فيهما وخلف الوعد والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخصومة والفضول والخوض في الباطل والتحريف والزيادة والنقصان وايذاء الخلق وهتك العورة وإفشاء السر والسّخرية والاستهزاء وغير ذلك ، وهي سباقة إلى اللسان لا يثقل عليه ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان فالخائض فيها قلما يقدر على أن يلزم اللّسان فيطلقه بما يجب ويكفه عمّا لا يجب ، فان ذلك من غوامض العلم وفي الخوض خطر وفي الصّمت نجاة .
فلذلك عظم فضل الصّمت مع ما فيه من جمع الهمّ ودوام الوقار والفراغ في الفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة قال اللّه تعالى :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
« 2 » وقال تعالى :
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
« 3 » وقال النبي ( ص ) : « طوبى لمن امسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله » « 4 » .
الفصل الثالث في الكذب والغيبة
إنما قيدنا الكذب والغيبة بغير المأذونين ، لأن من الكذب والغيبة ما يجوز قال الصادق
هامش
( 1 ) الاحتجاج : ج 2 ص 45 .
( 2 ) سورة ق : آية 18 .
( 3 ) سورة النساء : آية 114 .
( 4 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 109 .