تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وأما شهوة الفرج فانّما سلطت على الانسان لبقاء النسل ودوام الوجود ولان يدرك لذته فيقيس بها لذّات الآخرة ، فان لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجسام كما أنّ ألم النار أعظم آلام الجسد ، فالترهيب والترغيب يسوقان الخلق إلى سعادتهم وليس ذلك إلّا بألم محسوس ولذة مدركة فهذه فائدتها ، ولكن فيها من الآفة ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم تردّ إلى حدّ الاعتدال فانّ لها أيضا إفراطا وتفريطا . فافراطها ما يقهر العقل حتّى يصرف همة الرّجل إلى التمتع بالنسآء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة ، أو يقهر الدين حتّى يجر إلى اقتحام الفواحش وقد ينتهي هذه الشهوة بمن غلب وهمه على عقله إلى العشق البهيمي الذي ينشأ من استيلاء الشهوة فيسخر الوهم العقل لخدمة الشهوة وقد خلق العقل ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة محتالا لأجلها ، وهو مرض قلب فارغ لا همة له وإنما يجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة النظر والفكر وإلا فإذا استحكم عسر دفعه . وتفريط هذه الشهوة إما بالعفة الخارجة عن الاعتدال أو بالضّعف عن امتناع المنكوحة وهو أيضا مذموم وانما المحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها ، ومهما أفرطت فكسرها يكون بالجوع والنكاح قال رسول اللّه ( ص ) : « معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء » « 1 » . اعلم أن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الانسان وأعصاها عند الهيجان على العقل إلا أن مقتضاها قبيح يستحيى منه ويخشى من اقتحامه ، وامتناع أكثر النّاس عن مقتضاها إما لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على حشمة ، وليس في شيء من ذلك ثواب ، فإنه ايثار حظ من حظوظ النّفس على حظ آخر نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوايق فائدة وهو دفع الاثم فان من ترك الزنا اندفع عنه اثمه باي سبب كان تركه وإنما الفضل والثواب الجزيل في تركه خوفا من اللّه تعالى مع القدرة عليه وارتفاع الموانع وتيسّر الأسباب لا سيّما عند صدق الشهوة ، وهذه درجة الصّديقين . ولذ لك قال رسول اللّه ( ص ) : « من عشق فعف وكتم فمات فهو شهيد » « 2 » وقال : « سبعة
هامش
( 1 ) العوالي : ج 1 ص 257 ح 27 وصحيح البخاري : ج 7 ص 3 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 96 . ( 2 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 100 .