أعدائه ، فان عين السخط تبدي المساوي كما قيل :
وعين الرضا عن كل عيب كليلة * ولكنّ عين السخط تبدي المساويا
ولعل انتفاع الانسان بعدوّ شاحن يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه إلّا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فان مساويه لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم ، أو يخالط الناس فكل ما يراه مذموما فيما بين الخلق فيطالب نفسه بتركه ؛ وما يراه محمودا يطالب نفسه به وينسب نفسه إليه ، فانّ المؤمن مرآة المؤمن فيرى في عيوب غيره عيوب نفسه .
وليعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتّصف به واحد من الأقران لا ينفك القرين الاخر عن مثله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه ، فيتفقد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره ، وناهيك بهذا تأديبا ، فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب قيل لعيسى ( ع ) : « من أدّبك ؟ فقال : ما أدّبني أحد رأيت قبح الجهل فجانبته » « 1 » .
الباب الثاني فيما يؤدي إلى مساوي الاخلاق
فيما يؤدي إلى مساوي الاخلاق من البطن والفرج واللسان ، اعلم أن الأخلاق إنما تترسّخ في النفس بتكرير الأعمال ، والأعمال إنما تصدر من القلب بتوسّط الجوارح وكل جارحة تصلح لأن يصدر منه الأعمال الحسنة الجالبة للأخلاق الجميلة وأن يصدر منه الأعمال القبيحة المورثة للأخلاق السّيئة ، فلا بد من مراعاة القلب والجوارح بصرفهما إلى الخيرات ومنعهما من الشرور ، وأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن والفرج واللسان .
ففي الحديث النبوي ( ص ) : « من وقى شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقى » « 2 » والقبقب البطن ، والذبذب الفرج ، واللقلق اللسان أما شهوة البطن فبها اخرج آدم وحوا من دار القرار
هامش
( 1 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 96 .
( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 105 واحياء علوم الدين : ج 3 ص 104 وارشاد القلوب : ص 103 .