تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
للقلب وصحة للبدن » « 1 » . وقال لقمان لابنه : « يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة » « 2 » . وبالجملة ففوايد الجوع كثيرة منها صفاء القلب ورقّته والاستلذاذ بالطاعة ، والانكسار المانع عن المعصية والغفلة ، وذكر جوع يوم القيامة ، وكسر شهوة الفرج المستولية بالشّبع ، ودفع النّوم الذي يكلّ الطبع ويضيّع العمر ويفوت القيام والتهجد وتيسر المواظبة على الطاعة لخفة البدن والفراغ عن الاهتمام بالتحصيل والاعداد والأكل ودفع الأمراض الشاغلة عنها ، فورد في الحديث : « المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء » « 3 » .

الفصل الأول الاعتدال في شهوتي البطن والفرج

قد علمت أن المقصد الأقصى في جميع الأحوال والأخلاق هو الوسط وما ذكر في فضايل الجوع ربّما يومي إلى أنّ الافراط فيه مطلوب وهيهات ولكن من أسرار حكمة الشريعة أنّ كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة والمنع منه على وجه يؤمي عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الامكان ، والعالم يدرك أن المقصود هو الوسط لأنّ الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع حتّى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال ولما بالغ النبي ( ص ) في الثناء على قيام اللّيل وصيام النهار ثم علم من حال بعضهم أنه يصوم الدّهر كلّه ويقوم الليل كله نهى عنه . فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحسّ بثقل المعدة ولا يحسّ بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه أصلا فان مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة ، وثقل الطعام يمنع العبادة وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها ، فالمقصود أن يأكل أكلا معتدلا بحيث لا يبقى للأكل فيه أثر ليكون متشبها بالملائكة ، فانّهم مقدّسون عن ثقل الطعام وألم الجوع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
« 4 » والقوام فيه أن لا يأكل طعاما حتّى يشتهيه ويرفع يده عنه وهو يشتهيه .
هامش
( 1 ) مصباح السّريعه : ص 77 . ( 2 ) تنبيه الخواطر : ج 1 ص 102 . ( 3 ) مكارم الأخلاق : ص 362 . ( 4 ) سورة الأعراف آية 31 .