لطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب وإنما تتأكد اثارها بكثرة المواظبة على العبادات ، وغاية هذه الاخلاق أن ينقلع عن النفس حبّ الدنيا ويترسخ فيها حبّ اللّه تعالى ، فلا شيء أحب إليه من اللّه تعالى ومن لقائه ، وكل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتّى يتحرك لا محالة على وفقها ، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه يرتفع منه أثر على القلب .
وطالب تزكية النفس لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرمها بعصيان يوم ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم تتداعى قليلا قليلا حتّى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأسا ، وصغار المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتّى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الايمان عند الخاتمة ، فلا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة ولا بصغر المعصية ، فان الجملة الكثيرة منها مؤثرة وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد تأثير ، وربّما تحصل الأخلاق الحسنة بمشاهدة أرباب الأفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير ، والأخلاق السّيئة بمشاهدة أرباب الأعمال السيئة ومصاحبتهم وهم قرناء السوء ، فان الطبع يسرق من الطبع الخير والشر جميعا .
فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتّى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلّما فهو في غاية الفضيلة ، ومن كان رذلا بالطبع واتفق له اقران السوء فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشر حتّى تعوّدها في غاية البعد من اللّه تعالى ، وبين الرتبتين من اختلفت به هذه الجهات ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما يقتضيه صفته وحالته
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 1 »
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
« 2 » .
الفصل الثالث في عيوب النفس والبصيرة بها
اعلم أن اللّه إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه فمن كملت له بصيرته لم تخف عليه عيوبه ، وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه ، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه فليطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليراقب أحواله وأفعاله ، فما يكرهه من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبّهه عليه أو يستفيد معرفة عيوب نفسه من لسان
هامش
( 1 ) سورة الزلزلة : آية 7 - 8 .
( 2 ) سورة النحل : آية 33 .