المقالة الثانية في مساوي الاخلاق وتهذيبها وفيها أربعة أبواب :
الباب الأول في معنى الخلق وتهذيبه
في معنى الخلق وتهذيبه ، اعلم أن الخلق عبارة عن هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية ، فإن كان الهيئة بحيت يصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سمّيت الهيئة خلقا حسنا ، وإن كانت الصّادر منها أفعالا قبيحة سميت خلقا سّيئا ، وإنما شرطنا الرّسوخ لأن من يصدر عنه بذل المال مثلا على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السّخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ ، وإنّما شرطنا السّهولة وعدم الرّوية لأن من تكلف بذل المال لا يقال خلقه السخاء وليس عبارة عن الفعل فربّ شخص خلقه السخاء ولا يبذل إمّا لفقد المال أو لمانع آخر ، وربّما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث أو رياء فلا بدّ في الخلق الحسن من قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث .
أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل لها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الافعال ، فإذا تحصلت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة ، والحكمة رأس الاخلاق الحسنة ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا .
وأما قوة الغضب والشهوة فحسنهما في أن يقتصر انقباضهما وانبساطهما على حدّ ما تقتضيه الحكمة والدّين .