ورابعها كتحصيل العلوم والادراكات التي هي في الموضوعات العالية والأعيان الشريفة كالايمان باللّه وملائكته ورسله واليوم الآخر والبعث وقيام الساعة ومثول الخلايق بين يدي اللّه وحضور الملائكة والنبيّين والشهداء والصّالحين ، في مقابلة تحصيل العلوم والادراكات التي هي من باب الحيل والخديعة والسفسطة والتأمل في الأمور الدنياوية الغير الخارجة عن دار المحسوسات ، فان الأول يشبه الملائكة الروحانية وجنود الرحمان الذين هم سكان عالم الملكوت السّماوي ، والثاني يشبه الأبالسة المطرودة عن باب اللّه الممنوعة من ولوج السماوات المحبوسة في الظلمات المحرومة في الدنيا عن الارتقاء المحجوبة في الآخرة عن دار النّعيم .
الفصل السابع في أن الهم بالفعل يؤاخذ به أم لا
اعلم أن ما يخطر بالبال من السيئة فلا مؤاخذة عليه ، لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل والهيجان لأنهما أيضا لا يدخلان تحت الاختيار ، وأمّا الاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردّد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا ، والأحوال تختلف فيه فالاختيار منه يؤاخذ به والاضطراري منه لا يؤاخذ به .
وأما الهمّ بالفعل فإنه يؤاخذ به إلا أنه إن لم تفعل فان تركه خوفا من اللّه وندم على همّه كتبت له حسنة لأنّ همّه سّيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة ، والهمّ على وفق الطبع لا يدل على تمام الغفلة عن اللّه ، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع وهو العمل للّه سبحانه أشدّ من جدّه في موافقة الشيطان بموافقة الطبع ، فكتبت له حسنة لأنه يرجح جهده في الامتناع وهمّه به على همّه بالفعل ، وان تعوّق الفعل لعائق أو تركه لعذر لا خوفا من اللّه تعالى كتبت عليه سيئة ، فانّ همّه فعل من القلب اختياري .
والدّليل على هذا التفصيل ما ورد عن النبي ( ص ) : « قالت الملائكة : ربّ ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر فقال : ارقبوه فان عملها فاكتبوه عليه بمثلها ، وإن تركها فاكتبوه له حسنة إنما تركها لأجلي » « 1 » .
وعن أمير المؤمنين ( ع ) في قوله سبحانه :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
« 2 » « إن هذه الآية عرضت على الأنبياء والأمم السّابقة فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : ج 1 ص 118 .
( 2 ) سورة البقرة : آية 284 .