تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
ورابعها كتحصيل العلوم والادراكات التي هي في الموضوعات العالية والأعيان الشريفة كالايمان باللّه وملائكته ورسله واليوم الآخر والبعث وقيام الساعة ومثول الخلايق بين يدي اللّه وحضور الملائكة والنبيّين والشهداء والصّالحين ، في مقابلة تحصيل العلوم والادراكات التي هي من باب الحيل والخديعة والسفسطة والتأمل في الأمور الدنياوية الغير الخارجة عن دار المحسوسات ، فان الأول يشبه الملائكة الروحانية وجنود الرحمان الذين هم سكان عالم الملكوت السّماوي ، والثاني يشبه الأبالسة المطرودة عن باب اللّه الممنوعة من ولوج السماوات المحبوسة في الظلمات المحرومة في الدنيا عن الارتقاء المحجوبة في الآخرة عن دار النّعيم .

الفصل السابع في أن الهم بالفعل يؤاخذ به أم لا

اعلم أن ما يخطر بالبال من السيئة فلا مؤاخذة عليه ، لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل والهيجان لأنهما أيضا لا يدخلان تحت الاختيار ، وأمّا الاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردّد بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا ، والأحوال تختلف فيه فالاختيار منه يؤاخذ به والاضطراري منه لا يؤاخذ به . وأما الهمّ بالفعل فإنه يؤاخذ به إلا أنه إن لم تفعل فان تركه خوفا من اللّه وندم على همّه كتبت له حسنة لأنّ همّه سّيئة وامتناعه ومجاهدته نفسه حسنة ، والهمّ على وفق الطبع لا يدل على تمام الغفلة عن اللّه ، والامتناع بالمجاهدة على خلاف الطبع يحتاج إلى قوة عظيمة فجده في مخالفة الطبع وهو العمل للّه سبحانه أشدّ من جدّه في موافقة الشيطان بموافقة الطبع ، فكتبت له حسنة لأنه يرجح جهده في الامتناع وهمّه به على همّه بالفعل ، وان تعوّق الفعل لعائق أو تركه لعذر لا خوفا من اللّه تعالى كتبت عليه سيئة ، فانّ همّه فعل من القلب اختياري . والدّليل على هذا التفصيل ما ورد عن النبي ( ص ) : « قالت الملائكة : ربّ ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر فقال : ارقبوه فان عملها فاكتبوه عليه بمثلها ، وإن تركها فاكتبوه له حسنة إنما تركها لأجلي » « 1 » . وعن أمير المؤمنين ( ع ) في قوله سبحانه :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
« 2 » « إن هذه الآية عرضت على الأنبياء والأمم السّابقة فأبوا أن يقبلوها من ثقلها ، وقبلها
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : ج 1 ص 118 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 284 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 57 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى