ثم يدعوه إلى أن يتزين لهم ويتصنّع بتحسين اللّفظ وإظهار الخير ويقول : إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك عن قلوبهم ولم يهتدوا إلى الحق ، فلا يزال يقرّر ذلك وهو في أثنائه يؤكد شوائب الرّيا وقبول الخلق ولذة الجاه والتعزز بكثرة العلم والنظر إلى الخلق بعين الاحتقار ، فيستدرج المسكين بالنّصح إلى الهلاك فيتكلم وهو يظن أن قصده الخير وإنما قصده الجاه والقبول ، فيهلك بسببه وهو يظن أنه عند اللّه تعالى بمكان وهو عند اللّه ممّن قال فيهم رسول اللّه ( ص ) : « إن اللّه ليؤيد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم ، وإنّ اللّه ليؤيد هذا الدّين بالرّجل الفاجر » « 1 » .
الفصل السادس في القلب لمتان
قال بعض أهل المعرفة إن الهام الملك ووسوسة الشيطان يقع في النّفوس على وجوه وعلامات :
أحدها كالعلم واليقين الحاصلين من جانب يمين النفس ، ويقابله الهوى والشهوة الحاصلتان من جانب الشمال .
وثانيها كالنظر إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل النظام والاحكام المزيل للشكوك والأوهام ، والمحصّل للمعرفة والحكمة في القوة العاقلة التي هي على الجانب الأيمن من النفس ، ويقابله النظر إليها على سبيل الاشتباه والغفلة والاعراض عنها الناشية منها الشبهة والوسواس في الواهمة والمتخيلة التي على جانب الأيسر منها ، فان الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة المقدسة من العقول والنّفوس الكلّية لأنها مبادي العلوم اليقينيّة ، والمتشابهات الوهميّات بمنزلة الشياطين والنفوس الوهمانية لأنها مبادي المقدمات السفسطية .
وثالثها كطاعة الرسول المختار والأئمة الأطهار في مقابلة أهل الجحود والانكار وأهل التعطيل والتشبيه من الكفار ، فكل من سلك سبيل الهداية فهو بمنزلة الملائكة الملهمين للخير ، ومن سلك سبيل الضلال فهو بمنزلة الشياطين المغوين بالشرور .
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 29 .