وأما قوة العدل فهي ضبط قوة الغضب والشهوة تحت إشارة العقل والشرع فالعقل منزلته منزلة الناصح المشير ، وقوته القدرة ومنزلتها منزلة المنفذ الممضى لاشارته والغضب والشهوة تنفذ فيهما الإشارة .
ومثال الغضب مثال كلب الصّيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدّب حتّى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان النفس .
والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصّيد فانّه تارة يكون مروّضا وتارة يكون جموحا فمن استقرت فيه هذه الصّفات واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون بعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصّة ، وحسن القوة الغضبيّة واعتدالها يعبّر عنه بالشجاعة ، وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبّر عنه بالعفّة فان مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة سمّي ذلك تهوّرا وإن مالت إلى الضّعف سمّي جبنا وخورا « 1 » ، وان مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة سمّي شرها وإن مالت إلى النقصان سمّي خمودا ، والمحمود هو الوسط وهو العدل ، والطرفان رذيلتان مذمومتان ، والعذل إذا فات فليس له طرفان زيادة ونقصان بل له ضدّ واحد وهو الجور ، وأما الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الاغراض الفاسدة خبّا « 2 » وجربزة ، ويسمّى تفريطها بلها ، والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة .
فإذا أمهات الاخلاق الحسنة الجميلة وأصولها أربعة : الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربعة إلا رسول اللّه ( ص ) ولهذا قال اللّه تعالى مثنيا عليه :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
« 3 » والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فينبغي أن يقتدي به فإنه قال : « بعثت لا تمم مكارم الأخلاق » « 4 » .
وقد أشار القرآن إلى هذه الاخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
« 5 » .
فالايمان باللّه ورسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة ، والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة ، والمجاهدة بالنفس هي
هامش
( 1 ) الخور بالتحريك الضعف ، ص .
( 2 ) الخب الخدعة .
( 3 ) سورة القلم : آية 4 .
( 4 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 48 وج 2 ص 143 وكنز العمال خ 5217 .
( 5 ) سورة الحجرات : آية 15 .