الشجاعة التي يرجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحدّ الاعتدال .
وقد وصف اللّه سبحانه قوما فقال :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 1 » إشارة إلى إن للشدة موضعا وللرحمة موضعا ، وليس الكمال في الشدّة بكلّ حال ولا في الرحمة بكل حال .
الفصل الأول في أن الطباع هل تتغير أم لا
اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الاخلاق ولم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه ، فزعم أنّ الأخلاق لا يمكن تغييرها ، وأنّ الطباع لا يتغير ، واستدلّ عليه بأمرين :
أحدهما أنّ الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو الصورة الظاهرة ، فكما أنّ الخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فكذا الخلق الباطن .
والثاني أن حسن الخلق إنما يحصل بقمع الغضب والشهوة وحبّ الدنيا وغيرها وهذا أمر ممتنع والاشتغال به تضييع زمان بغير فائدة ، فان المطلوب هو قطع التفات القلب إلى حظور العاجلة وهو محال .
فنقول : لو كانت الاخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال اللّه تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
« 2 » ولما قال رسول اللّه ( ص ) : « حسنوا أخلاقكم » « 3 » وكيف يتكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن ، إذ ينقل الظبية من التوحش إلى الانس والكلب من شره الأكل من الصّيد إلى التأدب والامساك ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد ، وكل ذلك تغيير الأخلاق .
والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول : إن الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للادمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والكواكب بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله .
وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة الكمال بعد أن وجد شرطه ، وشرطه قد يرتبط
هامش
( 1 ) سورة الفتح : آية 29 .
( 2 ) سورة الشمس : آية 9 - 10 .
( 3 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 54 .